naqd politics

زواج القاصرات… طفولة تباع بحفنة من المال

ألاء فتاة سورية تزوجت وهي قاصر أنجبت تسعة أطفال قبل بلوغها سن الخامسة والثلاثين، تروي تجربتها قائلةً: “لقد سرقوا مني شبابي. عندما كان عمري أربعة عشر عاماً، كنت متزوجة من رجل يبلغ من العمر إحدى وثلاثين سنة. أردت يوماً الخروج للعب مع أصدقائي، لكنهم منعوني لأنني كنت حاملاً”.

تضيف ألاء والدمع يملأ عينيها: “لقد تقدّم ثلاثة شبّان لطلب يد ابنتي الكبرى التي تبلغ من العمر ثماني عشرة سنة، لكنني رفضت تزويجها بشكل قاطع إلى أن تتمكّن من أن تقرّر بنفسها ما تريده من الحياة”.

أما سارة الفتاة القاصر التي تزوّجت في الثانية عشرة من عمرها من رجل يكبرها بأعوام عديدة. أصبحت على ذمّة هذا الرجل من دون أن يكترث وليّ أمرها لرأيها بهذا الارتباط. أمّا السبب، فهو أنّ العريس طالب الزواج استطاع أن يدفع أموالاً لقاء الحصول عليها، ووعد بدعم العائلة مادياً لتؤمّن مأكلها ومشربها.

تقول سارة إنه، في يوم من الأيام، غضب منها زوجها لأنه أعطاها بعض المال لشراء بعض الحاجيات، ليكتشف عند عودته الى البيت أنها اشترت البوشار وبعض السكاكر والحلويات…

“زوّجتُ ابنتي شام ذات السبعة عشر ربيعاً في ظلّ انتشار جائحة كورونا وتطبيق سياسة الإغلاق العام في البلد. فعلت ذلك لأتخلّص من مسؤولية فرد من أفراد عائلتي، على رغم أنّني ضدّ التزويج في سنّ مبكّر” تقول الأربعينية أم يوسف، مبرّرة زواج ابنتها للمرة الثانية، بعد طلاقها العام الماضي، عقب زواج استمر أقل من سنة.

أمّا منال البالغة من العمر الثمانية عشر عاماً، فتزوّجت قبل خمس سنوات، بضغط من والدتها التي خافت من أن “يلحق العار بها” بعد أن فقدت والدها في سوريا. وقد أجبرها زوجها على العمل في الحقول، وتعرّضت للضرب والتعذيب المتكرّر على يديه، بحسب وصفها، وحاولت الانتحار ثلاث مرّات  بسبب رفض أهلها أن تنال الطلاق. “لم أكن أعرف معنى كلمة “طلاق””، تقول منال، إذ “كنت صغيرة جدّاً ولم يكن أمامي حلّ سوى الموت لكي أتخلّص من حياتي”. وعندما أنجبت منال، أجبرها زوجها على الذهاب إلى العمل بعد ثلاثة أيام فقط، ومنعها من إرضاع طفلها “حتى لا نعتاد على بعض” كما تقول. وعلى الرغم من كل معاناتها، لم ترضَ والدتها، كما جميع أفراد عائلتها وأقاربها، أن تحصل على الطلاق “خوفاً من العار الذي تجلبه كلمة “مطلّقة””.

وضعت نسرين مولودتها الأولى وهي في الثامنة عشرة. “كنت أبكي. لم أدرِ كيف أربّيها، أو حتى كيف أرضعها”. وخلال زواج دام خمسة عشر عاماً، أنجبت أربعة أولاد، ومن ثم تطلّقت، وحرمها طليقها من رؤية أولادها.

قبل سنوات، لم يكن الزواج وارداً في بال الطفلة رهام، ولا حتى حاضراً في خيارات عائلتها. كان حصول الأمر مستبعداً قبل بلوغها العشرين من العمر على الأقل، لكن ظروف الحرب قذفتها بعيداً عن ملاعب الطفولة، فتكسّرت أحلامها الدراسية عام 2013 على عتبة الصف التاسع. لم يمضِ وقت طويل، حتى تزوّجت رهام وهي في الخامسة عشرة، فكان مهرها مقدّمه مليونا ليرة لبنانية ومؤخّره ثلاثة ملايين ليرة.

تقصّ الصبية فصولاً من حكايتها بغصّة كبيرة: “الفقر دفع بي إلى الزواج. لم أعد أحتمل العمل بالسخرة، من السادسة صباحاً حتى السادسة مساءً. كما أنّ ضغوط الأهل لا ترحم، وباب إكمال العلم مغلق في بلاد ليست بلادنا”.

لا تُعَدّ رهام استثناءً، بل إنّ الزواج المبكر بات أشبه بقاعدة في بيئتها. تؤكّد الصبيّة أنّ ما لا يقل عن 50 فتاة قاصراً تعرفهن في مخيّمها الصغير، قد تزوجن قبل سن السابعة عشرة، في خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

اليوم، باتت الطفلة رهام، أمّاً لرضيعة عمرها أربعة أشهر. تقول: “من يصدّق أن أحمل بين يديّ طفلة بعد أن كنت أحمل دمية قبل سنوات قليلة؟ إنها أعباء ومشقّة كبيرة. ليت الزمان يعود بي إلى طفولتي لأفعل كل الأشياء التي حُرِمتُ منها”.

تروي مريم البالغة من العمر عشرين عاماً، تفاصيل مأساتها التي بدأت منذ زواجها في الثانية عشرة من عمرها: “كان والدي متوفّياً. جاء أخوالي وقالوا لي “إجا ابن الحلال اللي بدّو يسْترك ويضبّك بالبيت”. والدتي لم تعترض. تزوّجت بعقد زواج غير مثبت، وأنا لا أعرف شيئاً عن الزواج. في ليلة الزفاف، سمعت نصيحتهم: “سلّمي نفسك، ولا تعترضي لأنك إن تمنّعت أو خفتِ، سيظنّ أنّك فتاة سيّئة الأخلاق”. نزفت طيلة شهر بعد ليلة زواجي. أذكر من تلك الليلة صراخي وبكائي والدم. رافقتني عوارض النزيف لفترات متقطّعة، حتى أُصِبت بفقر دم مزمن. حملت بابنتي الأولى بعد ثمانية أشهر، وأنا لا أعرف كيف أعتني بمولود جديد. ولأنني كنت أقصّر في أعمال المنزل والطبخ، كان زوجي يُبرحني ضرباً، وهو يصرخ بي “لماذا تزوجتكِ إن كنت لا تتقنين شيئاً من واجبات المنزل؟”

تشهد خيم اللاجئين السوريين في لبنان ازدياد ظاهرة زواج القاصرات، والمبرّر واحد: التخلص من أعبائهن في ظل أزمات خانقة تتفاقم يوماً بعد يوم. فتيات يتحمّلن وزر التقاليد والعادات، تباع طفولتهن بحفنة من المال، ليصبحن أمهات بالإكراه، على مرأى من الجمعيات المحلية والمنظمات الدولية.

تسبّب انهيار الاقتصاد اللبناني في مضاعفة مآسي الفئات السكانية الأكثر ضعفاً وهشاشة، مثل اللاجئين السوريين الفارّين من حرب متواصلة منذ أكثر من عقد من الزمن. بدافع الحاجة، تقوم عائلات سورية كثيرة بتزويج بناتها القاصرات من أجل التخفيف من عبء الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها. فبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين “يزوّج الآباء اليوم بناتهم في سن مبكرة، 13 أو 14 سنة، مقارنةً بسنة 2019، عندما كان متوسّط ​​العمر بين 16 و17 سنة”.

“لا يُعَدّ زواج القاصرات حدثاً جديداً على الساحة السورية، لكن لعنة الحرب ضاعفت النسبة إلى أن تجاوزت 13% بعد أن كانت 3%”، بحسب تصريح للقاضي الشرعي الأوّل في دمشق محمود المعراوي، في بداية العام الفائت. وتتمّ معظم حالات الزواج وفق عقود عرفيّة.

يعرَّف زواج الأطفال على أنه أي زواج رسمي أو أي ارتباط غير رسمي بين طفلٍ تحت سن الـ 18 عاماً وشخص بالغ أو طفل آخر. في الوقت الذي تناقصت فيه نِسب انتشار زواج الأطفال في جميع أنحاء العالم – من واحدة من بين كل أربع فتيات تزوّجن قبل عقد من الزمن، إلى حوالي واحدة من كل خمس فتيات في يومنا هذا – لا تزال هذه الممارسة واسعة الانتشار في المجتمعين اللبناني والسوري. وتدعو أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة إلى اتخاذ إجراء عالمي لإنهاء هذا النوع من الممارسات التي تُعدّ انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، بحلول عام 2030.

ومن سلبيّات الزواج المبكر، بحسب الدكتورة النفسية حنان مطر، المشاكل النفسية، إذ يسبّب الاضطرابات والعِقد للفتاة، فالزواج في سن يافعة يحرمها من العيش حياة طبيعية كرفيقاتها ومن تحصيل التعليم المناسب، عدا أنه يلقي على كاهلها أعباء ومسؤوليات لا تتناسب وعمرها وطاقتها، مثل العناية بالزوج والبيت والأطفال. وقد تعرّضها هذه التراكمات لحالة من الاكتئاب والحقد على مجتمعها. كما أنّ لائحة المشاكل الصحيّة تطول وتتفاقم لا سيّما أنّ  معظم الفتيات لسن على دراية بها، والحمل في وقت مبكر يمكن أن يسبّب فقر الدم، واضطرابات الرحم لأنه لم يكتمل بعد، بالإضافة إلى تكرار الإجهاض. إضافةً إلى المشاكل الاجتماعية المتمثلة خصوصاً بعدم إلمام معظم الفتيات اللاتي يتزوّجن باكراً بكيفية التعامل مع عائلة الزوج والأولاد، بسبب قلّة الخبرة والحكمة، والجهل. أمّا أكثر العواقب خطورةً فتلك القانونية كعدم تسجيل هذا الزواج في السجلات المدنية، ما يضيّع على الفتاة الكثير من حقوقها ويعرّضها للمساءلة في بعض الأحيان.

وفي هذا الصدد، تقول الناشطة النسويّة علياء عواضة أنّ موضوع زواج القاصرات في لبنان موضوع شائك يربتط، بشكل كبير، بسلطة رجال الدين وسلطة العائلة. ففي المنطقة العربية بشكل عام، وفي لبنان بشكل خاص، تحاول السلطات الدينية والعائلية والمجتمعية التحكّم بالنساء والفتيات اللواتي هنّ جزء من العائلة على اعتبار أنهنّ ملكيتهن ويحق لهذه السلطات التحكم بهنّ. وتشدّد عواضة، في هذا السياق، اعتبار الزواج المبكر جريمة يجب مكافتها: ” إنّ الزواج المبكر هو جريمة بحقّ الفتاة لما له من مضاعفات صحية على جسدها توصل في بعض الأحيان إلى الموت. كما له مضاعفات على مستقبل الفتاة التعليمي أيضاً، فبعض الفتيات اللواتي يتمّ تزويجهن يتركن مقاعد الدراسة. عدا عن تأثيره على المستقبل المهني للفتاة”.

وفي دراسة صدرت في تشرين الثاني 2020 بعنوان “الزواج المبكر- أسبابه وآثاره ونتائجه السلبية على القاصرات اللبنانيات واللاجئات في لبنان”، أنجزتها “مؤسسة مساواة – وردة بطرس للعمل النسائي”، بالتعاون مع لجنة حقوق المرأة اللبنانية، وشملت 300 حالة، يظهر أنّ الزواج المبكر في لبنان تجاوز نسبة 13% لدى القاصرات في مقابل 3 % لدى الصبيان. وازداد تحديداً في المرحلة الحالية ضمن المناطق الأكثر فقراً في أقضية الهرمل والمنية-الضنيّة وعكّار.وتشير الدراسة إلى أنّ الزيجات تركّزت في المخيّمات العشوائية للنازحين السوريين وأماكن تجمّعهم، حيث تقترب نسبة القاصرات المتزوّجات من 25%.

شملت الدراسة 300 حالة من حالات الزواج المبكر من خلال استبيان يشتمل على 60 سؤالاً، إضافة إلى لقاءات وجلسات متابعة لأكثر من 76 في المئة من المبحوثات، شملت كل المناطق اللبنانية، وتوزعت النسب المئوية حسب مجتمع دراسة زواج القاصرات اللبنانيات 57,3 في المئة، زواج القاصرات من اللاجئات السوريات 30,7 في المئة، زواج القاصرات من اللاجئات الفلسطينيات من سوريا 12 في المئة، فيما توزعت نسب المناطق على بيروت 35,7 في المئة، الجنوب 20,7 في المئة، البقاع 16 في المئة، الشمال 15 في المئة، جبل لبنان 12,6 في المئة.

وأظهرت الدراسة أن منطقة الهرمل تحتل المرتبة الأولى بنسبة 16 في المئة بنسبة زواج القاصرات وفي غالبيتها دون 15 عاماً، فيما منطقة عكار هي في المرتبة الثانية بنسبة 14 في المئة بعمر 16 عاماً وما دون.

وكشفت الدراسة نسب أعمار القاصرات أثناء عقود الزواج بأن 22,7 في المئة (بين 12 و14 سنة)، 23,3 في المئة (15 سنة)، 26,7 في المئة (16 سنة)، 27,3 في المئة (17 سنة).

وتقول دراسة للحملة الوطنية لحماية القاصرات من الزواج المبكر إنّ زواج القاصرات المبكر يقابله، في غالب الأحيان، طلاق مبكر، وبالتالي فشل في تكوين أسرة ناجحة، وذلك لاكتشاف الزوجين، بعد الزواج، بأنهما غير مستعدَّيْن بعد للزواج ولا يمكن حصول أي انسجام بينهما لصغر سنّهما وعدم وعيهما الكافي في تكوين أسرة. وغالباً ما تُستغلّ الفتاة اليتيمة أو تلك التي لا مأوى لها أو لا أقارب لها.

وتقول “جمعية كفى عنف واستغلال” إنه يُخطئ من يعتقد بأنّ الأضرار الناجمة عن التزويج المبكر للفتيات تقتصر حدودها على الفتاة بحدّ ذاتها أو على أسرتها الضيّقة، بل إنها أضرار تنعكس أيضاً على النواحي الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات. وتلفت “جمعية كفى” إلى أنّ منع تزويج القاصرات ستكون له آثار إيجابيّة كبيرة على التحصيل العلمي للبنات وأطفالهنّ في المستقبل، ويسهم في إنجاب المرأة عدداً أقل من الأطفال، وفي حياتها لاحقًا، يزيد دخلها المتوقّع ومستوى رفاه أسرتها.

وتشير جمعية “أبعاد” إلى أنه في حال أُكرهت الفتاة القاصر على الزواج، يمكنها أن تتقدّم بدعوى أمام المحكمة الروحية أو الشرعية للمطالبة بإبطال الزواج والتعويض، كما يمكنها أيضاً التقدّم بشكوى جزائية إذا رافق إرغامها على الزواج تهديد، حيث أنّ التهديد يعتبر جرماً معاقباً عليه في القانون.

وفي دراسة لـ”أبعاد” تحمل عنوان “الزواج مش لعبة”، رسائل توعوية توضح الأسباب الملزمة لمعالجة إشكالية تزويج الأطفال. فالزواج بعد سن الـ 18 يحمي حقّ الفتاة في التعليم، كما يمكّن الفتاة من التمتّع بفرص عمل لائقة عند بلوغ سن الرشد، ومن حماية نفسها وأطفالها، ويقلّل إلى حدّ كبير من المخاطر المحتملة على صحة وحياة الفتاة والجنين.

إنّ مساعي التقليل من نسب التزويج المبكر، بل منعه نهائياً، ووضع حدّ أدنى للزواج بعمر الثامنة عشر بما يتناسب مع شرعة حقوق الانسان وشرعة حقوق الطفل، تندرج في سياق تطبيق الإتفاقيات الدولية التي وقّع عليها لبنان. إلّا أنّ محاولات الحدّ من ظاهرة الزواج المبكر، رغم ما يترتّب عنه من عواقب سلبية وخيمة على المستوات الشخصية والجماعية والمجتمعية، لا تصطدم فقط برفض رجال الدين والسلطة العائلية، بل أيضاً بالمخالفات الرسمية لبنود الإتفاقيات الدولية الملزمة. فبالنسبة للبنان تحديداً، فهو متحفظ على إتفاقية “سيداو” التي تنص على القضاء على كل أشكال التمييز ضدّ المرأة، وكل ما يتعلق بقوانين الأحوال الشخصية وتحديد سن الزواج. فكيف السبيل إلى صون حقوق المرأة والفتاة وظروف الحروب المتفاقمة تفرض أولويات تستبعد ظروف عيش المرأة وحقوقها، و الدول المؤتمنة على صون الحقوق وحمايتها، هي من يساهم في أن تّزهَق هذه حقوق؟

في حال الإكراه على الزواج المبكر، يجب اللجوء إلى الجمعيات المعنية ومن بينها :

جمعية “أبعاد”: 81788178

منظمة “كفى”: 03018019

لتصلكم نشرة نقِد الى بريدكم الالكتروني

Read Previous

نعم، الطرابلسيّ يعلمكم نهج الحبّ

Read Next

عن عهد عون المعزول دولياً والمأزوم داخلياً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *