naqd politics

لبنان من منبر للآراء الى منبر للتهديدات

يُعرف لبنان بحرية الرأي والتعبير من خلال دستوره، اذ تكفل المادة 13 من الدستور اللبناني حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة، وحرية الطباعة وحرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات ضمن دائرة القانون. وكان لبنان منبراً للآراء الحرة في البلدان المجاورة. وبالرغم من الأزمات التي تمرُّ على البلاد، يمكن اعتبار ان الحريات في لبنان لا تزال متقدمة بظل عالم عربي يشهد القمع والخضات. إلّا أنّ هذ التقدّم تراجعَ بحسب التصنيف العالمي لحرية الصحافة للعام 2022، حيثُ ازداد قمع الصحافيين وتهديدهم من قبل المنظومة الحاكمة ومنها حزب الله خاصةً بعد ثورة 17 تشرين.

لا تزال التهديدات والاغتيالات تتراكم منذ سنوات آخرها اغتيال الكاتب لقمان سليم المعارض الشرس لحزب الله وبيئته. وحتى اللحظة، عائلته تنتظر تحقيق العدالة بعد أكثر من سنةٍ ونصف على اغتياله. شكّك سياسيون واعلاميون أنّ حزب الله وراء اغتياله، حيثُ أفادت عائلة المقتول بأنّ الحزب هدّده عدّة مرّات. ويُعرَف سليم بمعارضته للحزب فهو يعتبر أنّه يأخذ لبنان رهينة لإيران. وأفاد في احدى تصريحاته عن توريط النظام السوري بوجود نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت. كما كان علمانيًّا ومعارضًا للطائفية ومؤمنًا بقيم المواطنة والمساواة.

وفي سياق التهديدات، عقد الصحافيّيْن المعارضيْن لحزب الله طوني بولس ورامي نعيم مؤتمرًا صحافيًا رفضًا للتهديدات التي تصلهما من قبل الحزب. وأعلن الصحافي بولس أنّ “الإعلام مستهدف لأنه لا يزال ينقل الحقيقة ولأنه محافظ على القضية اللبنانية، ولولا الإعلام لكان جرى العديد من الصفقات من دون أن يعلم أحد بها. والإعلام اللبناني الواقعي والموضوعي هو الذي يكشف هذه الصفقات”. وأشار الصحافي رامي نعيم الى أنّه تلقّى تهديدات له ولعائلته وذلك من خلال جيش الكتروني تابع لـ”الحزب” ومن خلال رسائل خطية تصل له ولعائلته.

حزب الله يعتمد أسلوب التهديد والترهيب ضد الكلمة الحرة خاصةً عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فتلقّت الاعلامية ديما صادق تهديدات عنيفة بعد نشرها صورة لقاسم سليماني والخميني وهي تصفهم بآيات شيطانية، وذلك ردًّا على محاولة اغتيال الكاتب سلمان رشدي. وعلّقت على حسابها عبر “تويتر” أنها تتعرض لحملة تحريض وصلت لحد المطالبة علناً بهدر دمها، في حملة اطلقها جواد حسن نصرالله.

وآخر من تعرّض للتهديد في لبنان هو المصور الصحافي حسان شعبان الذي تعرّض للضرب في بيت ياحون في الجنوب وذلك خلال تغطيته احتجاجًا لأهالي البلدة على انقطاع المياه لعدة أيّام متتالية. فقد وجد مسمار على دولاب سيارته معلّق عليه ورقة تهديد تقول “فل من الضيعة يا عميل يا كلب”. والتهديدات التي يتعرض لها شعبان وزملاؤه الصحافيون دفعتهم الى التظاهر أمام وزارتي الاعلام والداخلية في بيروت. فحزب الله لم يتوقف عن الضغوط على الصحافيين المعارضين له والذين لا يخافون قول الحقيقة. وبالرغم من كل هذه التهديدات ، لم تحرّك القوى الأمنية او وزير الداخلية ساكنًا. فالدولة غائبة لا تحاسب ولا تتحمّل مسؤولية وتصفُها الأقلام بالدولة “البوليسية” التي تغضّ النظر عن القمع وتمارسه وتفرضه على الناس.

ولا يمكن اتهام “الحزب” فقط، فللتيار البرتقالي، تاريخ حافل للتعرض للناشطين والصحافيين والممثلين، من خلال الإدعاء لدى جهاز أمن الدولة على كل مين ينتقد الرئيس والصهر، او الهجوم على منزل الممثل أسعد رشدان وتهديده وتلصيق صور لرئيس الجمهورية أمام مدخل منزله. كما لا يمكن ان ننسى دور الأجهزة الأمنية والمحكمة العسكرية في استدعاء الناشطين.

للبنان تاريخ حافل من اغتيالاتٍ أطالت سياسيين ومفكّرين ورجال دين وصحافيين لم يُعرَف فاعلها نتيجة التدخّلات السياسية التي تجري في القضاء وما تسبّب اللّاعدالة بحقّ المجتمع وتجعله يخاف من التفكير ومعرفة الحقيقة والمحاسبة. من اغتيال رفيق الحريري وجبران تويني وسمير قصير وبيار الجميل ووليد عيدو ورمزي عيراني ووسام عيد ووسام الحسن ومحمد شطح ومحاولة اغتيال مروان حمادة ومي شيدياق وغيرهم الكثير.. فلا من يُحاسِب ولا من يُحاسَب ، ولا يزال المتهم حرًّا طليقًا ولا يخافُ العدالة ظنًّا بأنّ البلاد رهينة له. فهو لم يعرف كم من عدوّ حاول تنفيذ اجندته على البلاد ولكنّه لم يستطع لطالما تاريخ لبنان وهويّته أقوى من أي ثقافة أخرى.. فمن يؤمن بالحرية والتعبير لن يسكت عن قول الحقيقة لو مهما كلّفه الثمن.

لتصلكم نشرة نقِد الى بريدكم الالكتروني

Read Previous

سابقة خطيرة: محاولة لشطب القرار 1559 في مجلس الأمن

Read Next

“ورجعنا وحنكمل”… مشروع لإقناع اللاجئين بتلقي لقاح كورونا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *