naqd politics

انتحار قتل سرقة وخطف: هل الانهيار الأمني بات واقعاً؟

لبنان، بلد الثقافة والحضارة والرقي، يتحول شيئاً فشيئاً الى بقعة أمنية مهددة في ظلّ الأزمات المتتالية منذ أربع سنوات. فمع انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية يومياً محققاً رقماً قياسياً جديداً مقابل الدولار، أضحت القدرة الشرائية في الحضيض، وقد صدق من قال  أنّ الجائع يفعل كل شيء من أجل الطعام.

لم يكد يوماً يمرّ على لبنان في الآونة الأخيرة بدون سماع خبر عن سرقة أو خطف أو قتل أو انتحار. فما هو المتوقع من بلاد الثقافة بعد أن أضحى العلم امتياز والاضرابات واقع اعتدنا عليه، أو من أزمة اقتصادية جعلت الفرد يفضل البطالة على العمل ليلاً ونهاراً مقابل مردود يكاد أن يغطّي مواصلاته؟ عمليات الخطف مقابل الفدية بازدياد يوماً بعد يوم، فما هو المفاجئ؟ انعدام الامن الغذائي يأخذنا شيئاً فشيئاً نحو الفوضى.

بعد أن كان الدرجات الاجتماعية هي غنية أو متوسطة أو فقيرة، أصبحت في لبنان معظمها فقيرة تندرج تحت ثلاث فئات جديدة تقسم المقيمين. الفئة الأولى هي الاشخاص التي تحاول الاستمرار يوماً فيوم، تكد بالعمل كما وجميع أفراد عائلتها. هؤلاء الأشخاص الذين يمشون بجنب الحائط، بأكتاف منحنية، حاملين همّ الاستمرار والاكتفاء بقوتهم اليومي. أشخاص جالسين وراء منصاتهم آملين بأن يمرّ يومهم بدون أن يتعرّض مكان عملهم لسطو مسلح فجائي، يراقبون سعر صرف الدولار وسعر ربطة الخبز. أشخاص يريدون البقاء ولو حتى باللجوء الى الأمن الذاتي من أجل الغد الأفضل.

الفئة الثانية هي الأشخاص التي انعدم الحس الأخلاقي لديها. اختارت الطريق الأسهل لتأمين قوت عيشها. لجأت الى السرقة والخطف وحتى القتل من أجل اطعام عائلاتها. لم لا طالما ليس هناك أي قوة تنفيذية حقيقية للقوانين؟ بظل وجود العين بالعين والسن بالسن والأمن الذاتي، ولدت أشخاص تقتات من تعب الفئة الأولى. تخطط وتنفذ وتراقب فريستها قبل الاتقضاض عليها وانهائها. هذه هي قيمة حياة اللبناني اليوم، بضعة دولارات أو رزمة من النقود تكاد تكفي عدة أيام.

الفئة الثالثة والتي استسلمت للأمر الواقع. عاشت حرب نفسية في المعيشة والدواء والأمن الى أن أستسلمت من الاستمرار وفقدت الأمل بغد أفضل. فئة حاولت أن تعيش يوم بيومه، لكن لم يكفي. حاولت اللجوء الى الجريمة فمنعتها أخلاقها. فئة غرقت بالمصاريف والجوع والقلّة، بكت كلما لمحت العوز في عيون عائلاتها. فقدت هويتها وهدف وجودها ولجأت الى الوداع تاركةً وراءها رسالة اعتذار لمحبين لم تستطع مساعدتهم.

مع اتجاهنا يومياً الى العيش في بلاد تزهق فيها الحياة من أجل ربطة خبز، أهل الكرم أغلقوا بابهم، وأنقياء القلب اقتلعوا قلوبهم. فكم من مرّة توقفنا على جانب الطريق لمساعدة شخص تعطلت سيارته. اليوم، مع فقدان القدرة على الصيانة، هذه الحالة تشهد تزايداً لكن، مع الأسف، لم يعد أحد يتوقف. اللبناني الكريم المساعد أصبح لبناني خائف من السطو المسلح وعمليات الخطف، فأصبح يرى كل طلب مساعدة على أنّه خطة استراتيجية جديدة لعصابات الخطف والسرقات. فالى جانب “سوق عمهلك” التي اعتاد عليها اللبنانيين كلّ مرّة أرادوا القيادة، نشأت عبارات جديدة محذرة  تتردد على ألسن الأهل والأقارب. طلب منك أحد المساعدة؟ لا تتوقف. تعرضت لحادث؟ لا تتوقف. رأيت جثة مرمية في وسط الطريق؟ لا تتوقف.

ربما حان الوقت لأن نتوقف قبل أن تؤدي الزعزعة المجتمعية التي نشهدها اليوم الى تفلّت لا رجوع عنه. فتداعيات الأزمة الاقتصادية أدت الى انهيار التعليم والطبابة والقدرة المعيشية، واليوم نرى تأثيرها على الأمن والأمان بحيث تتفشى الجريمة يوماً بعد يوم بدون حسيب ولا رقيب في ظل ضعف الأجهزة الأمنية. فالعوز والخوف دفع المواطنين الى اللجوء اما الى الجريمة أوالى الأمن الذاتي الذي يشكل خطراً كبيراً على هيبة الدولة وكوادرها. فبين الجريمة والأمن الذاتي في هذا الوضع الاقتصادي، ما الحلّ؟ هل بات الانهيار الأمني واقعاً لا مفرّ منه؟

لتصلكم نشرة نقِد الى بريدكم الالكتروني

Read Previous

آخر أيام نبيه بري: ٥ صفعات في أقل من سنة

Read Next

حجج السُلطة باطلة… أموال الانتخابات البلدية مؤمّنة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *