naqd politics

الصراع الصيني – الاميركي على تايوان: ما بعد الجيوبوليتيك

مرّ اكثر من عقدين من الزمن على ادراك المسؤولين الأميركيين التحديات التي تحملها عودة الصين الى الواجهة العالمية. قال حاكم تكساس السابق جورج دبليو بوش في خطابه خلال فترة منافسته على منصب الرئاسة الأميركية ان الولايات المتحدة قد ارتكبت خطأ جسيماً في تسمية الصين شريكاً استراتيجياً.

بعد أحداث 11 أيلول، صب تركيز الولايات المتحدة الأميركية على مكافحة الارهاب، وتفاءلت الادارة الاميركية بالنمو الاقتصادي الذي لحق بالصين كوسيلة لتحرر سياسي يهيمن على ادارات كل من بوش وأوباما. ومع ذلك، تم استبدال هذا الأمل باعتراف من ادارتي رئيسي الولايات المتحدة الأميركية السابق دونالد ترمب والحالي جو بايدن بأن الولايات المتحدة تخوض منافسة استراتيجية مع الصين. هذا التنافس سيحدد مستقبل الأمن الدولي. وستكون الشركات الأميركية في الخطوط الأمامية في هذه المواجهة.

من الممكن وقوع حرب باردة جديدة بين الصين والولايات المتحدة الاميركية ولكن ليس هناك حتمية للصراع. يتنبأ بعض قادة الدفاع الاميركيين غزو صيني لتايوان في الأعوام 2023 أو 2025 أو 2027. وفي حال أثبتت هذه التوقعات صحتها، ستقوم الولايات المتحدة بتقديم المساعدة لتايوان حسب ما صرح الرئيس جو بايدن. على الرغم من أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مايك ميلي نصح القادة بتهدئة التصريحات حول الصين، وأضافت مديرة الاستخبارات الوطنية افريل هاينز بانه في حال كانت بكين تخشى صراعاً محتملاً مع الولايات المتحدة، فمن المرجح حينها بقيام عمليات عدوانية عبر الانترنت ضد البنية التحتية الحيوية للأراضي الاميركية. فلا بد من تقييم هذا النوع من المخاطر من قبل قادة الشركات.

غالبًا ما تعتبر الشركات الأميركية امتداداً للحكومة، مما يجعلها هدفًا امام البلاد المنافسة للولايات المتحدة. كانت الشركات الاميركية تتعامل مع سرقة الملكية الفكرية لفترة طويلة. وفي عام 2011 صرّح رئيس لجنة المخابرات مايك روجرز أن التجسس الاقتصادي للصين قد وصل الى مستوى لا يمكن تحمله وأن الولايات المتحدة وحلفائها في اوروبا وآسيا في مواجهة مع بكين.

على الرغم من اعلان كل من الرئيس باراك أوباما والرئيس جين بينغ في العام 2015 عدم قيام اي من الحكومتين تنفيذ او دعم سرقة الملكية الفكرية بواسطة الانترنت، بما في ذلك اسرار الاعمال التجارية، الا ان هذا الاتفاق دام لفترة قصيرة، بحيث تواجه اليوم، الشركات الغربية مخاطر كبيرة في ما يخص السرقات والقرصنة.

ينشر بعض الموظفين في الشركات الغربية معلومات سرية عن شركاتهم بغية تحقيق مصالح شخصية، وتتلقى هذه المعلومات اجهزة المخابرات في الدول المنافسة التي تحاول بدورها تجنيد اعضاء داخليين في هذه الشركات. على سبيل المثال، في العام 2020، جُنِّد مواطن روسي موظف في شركة تسلا بغية ادخال برامج مشبوهة على شبكة الشركة. مما يؤكد أهمية تدريب الموظفين للتعامل مع مثل هذه الحالات.

يضاف الى التنافس بين الولايات المتحدة الاميركية والصين مخاطر جديدة مع وجود الأسلحة النووية المدمجة في الخطط الدفاعية. فقد اطلق قادة الدفاع الاميركيين النداء بشأن خطط الصين لتدعيم ترسانتها النووية وصعوبة ردع قوتين نوويتين (روسيا والصين) في نفس الوقت.

تلعب تايوان اليوم، دورًا كبيرًا في المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، فتعتبر تايوان المنتج الرئيسي للشرائح الالكترونية. وقد يسبب اي حصار او غزو مباشر صيني لتايوان توقيف تصدير الشرائح الالكترونية وتعطيل في تصنيعها. ومن هنا، تشعر واشنطن بأهمية ذلك، وتدفع الشركات لإعادة نقل وتوطين الانتاج.

أمام هذه التحديات الجديدة، تشهد الشركات الكبرى موجة تعزيز قدراتها في مجال امن المعلومات، بما في ذلك تدريب الموظفين على التعامل مع التهديدات الالكترونية، وتعزيز الوعي على اهمية حماية الملكية الفكرية والبيانات الحساسة. كما يجب على الشركات تطوير استراتيجيتها والبحث عن بدائل للمصادر المهددة.

وبظل الصراع الحاصل، يجب ان تتعاون الدول لتعزيز الأمن والاستقرار العالميين. فعلى الدول ان تعمل سويًا لتطوير قوانين واتفاقيات دولية تحدد من خلالها المعايير لحماية المعلومات والبيانات الحساسة. كما انه لا بد من اتخاذ مبادرات دولية لمكافحة سرقة الملكية الفكرية وتعزيز التعاون الدولي للتحقيق في الاختراقات وتحقيق العدالة.

على المستوى العالمي، يجب ان تتبنى المنظمات الدولية والمنتديات الدولية مثل الامم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية اجراءات تعزز التعاون والتبادل للمعلومات بين الدول لمكافحة التهديدات الأمنية والاقتصادية. كما يجب تعزيز قدرات المنظمات الدولية في مجال تحديد وتقييم المخاطر ووضع معايير دولية لحماية الأمن السيبراني.

بشكل عام، يتعين على الأفراد والشركات والحكومات ان يكونوا على دراية للتحديات الأمنية وأن يتبنوا استراتيجيات شاملة للحفاظ على الامن والاستقرار في هذا العصر المعقد. ولا بد من الاستثمار في التعليم والتدريب لتعزيز الوعي وتوظيف الخبرات المتخصصة في هذا المجال. ولتحقيق هذا الهدف سيتطلب الأمر بذل جهودًا مشتركة من الجميع، والتعاون على كافة الأصعدة لتوفير بيئة آمنة ومستدامة تسمح بالتنمية الاقتصادية والتكنولوجية بشكل فعال.

لتصلكم نشرة نقِد الى بريدكم الالكتروني

Read Previous

إختراع لبناني يسهّل التواصل بين أشخاص الصم والبكم مع كافة المجتمعات

Read Next

في زمن النفور الاجتماعي والتعصّب المناطقي والعنصرية المفرطة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *