naqd politics

في فلسطين ولبنان حضانة الأطفال بعد الطلاق: رحلة الأمهات نحو العدالة

لوقت طويل قادت الشابة اللبنانية نادين الجوني، حملة باسم آلاف النساء الشيعيات المحرومات من أبنائهن، تحت شعار “حضانتي ضدّ المحكمة الجعفرية”، بسبب معاناتها من حرمان حضانة ابنها “كرم” الذي يعيش مع والده “طليقها” ويمنعها من رؤيته تحت وطأة قانون المحكمة الدينية. وماتت ولم تتمكن من الانتصار لحقها. 

برزت “الجوني” منذ سنوات كمسؤولة إعلامية ومديرة حملات حقوقية تُعنى بقضايا النساء. عملت في منظمة “أبعاد”، وقادت كبرى الحملات نصرةً لقضايا النساء والطفلات والفتيات القاصرات، لكنها وعلى الرغم من نشاطها الحقوقي لم تستطع استعادة طفلها ولو ليومٍ واحد. 

تزوجت الشابة العشرينية الجوني في سنّ مبكرة، وأنجبت طفلها وهي في التاسعة عشرة من عمرها؛ لكن زواجها لم يستمر وانتهى بالطلاق، وعلى ضوء ذلك حرمت من طفلها الذي تمنّت قربه ليوم واحد أو ساعات معدودة؛ وذلك بقرارٍ “جائر” _وفق آراء حقوقيون_ صادر عن المحكمة الجعفرية.  

لسنوات طويلة، استمر والد طفلها الاستقواء عليها بالسلطة التي يفرضها القانون، فيما كانت هي تحرّك وتقود الحملات لأجلها ولأجل الكثير من النساء اللواتي يُعانين من أوضاع مشابهة، وصدحت بصوتها العالي في مسيرات ملأت شوارع بيروت ضدّ تزويج الفتيات القاصرات، وحضانة الأمهات لأطفالهن، واغتصاب الطفلات والاعتداء عليهن، وغيرها.

غير أنّ الشابة الجوني قضت في حادث سير عام 2019، قبل أن تحصل على حقها في حضانة ابنها، وبقيت قصتها علامة فارقة في أصوات النساء الشيعيات اللواتي لم يتوقفن عن المطالبة أمام المحكمة الجعفرية بحضانة أطفالهن بعد الطلاق، ولكن دون جدوى حتى اللحظة.

هذا الواقع، يعكس في حقيقة الكثير من المخاوف لدى الكثير من النساء المطلقات في لبنان، في وقت تشير فيه المعطيات إلى ارتفاع في نسب الطلاق، التي تجاوزت 26% خلال العام المنصرم 2022.

الحال ذاته يحدث في فلسطين التي تفيد الإحصاءات فيها أيضًا أنّ المجموع العام لحالات الطلاق، قد ارتفع بشكلٍ ملحوظ خلال العام نفسه. وسجل العام الماضي في قطاع غزة وحده 4319 حالة، بنسبة زيادة 23.6 في المائة على العام الذي سبقه.   

يتسم المجتمعين “اللبناني، والفلسطيني” بغلبة قانونية تجاه الذكور على النساء، باعتبارها مجتمعات لا تزال تحتكم للعادات والتقاليد التي تُرجح كفة الذكر على الأنثى في ميزان “الحقوق والأعراف”. 

غادة رؤوف (31 عامًا) امرأة فلسطينية أنجبت طفليها “مجد، ورؤى” وهي لم تتجاوز العشرين، وعلى الرغم من استمرار زواجها لعدّة سنوات؛ إلا أنه انتهى بالطلاق نتيجة عدم تفاهم الزوجين.  

درست غادة الهندسة وعملت في ذات المجال، وهذا لم يمنع تعرضها للكثير من العنف اللفظي الذي امتد للجسدي من زوجها، والذي اضطرها لاتخاذ قرار الانفصال. 

وعلى الرغم من حكم المحكمة الشرعية لها بحضانة الأطفال الذين كانوا في السن القانوني للحضانة، إلا أنّها لم تنجُ من محاولات زوجها خطف أطفاله أكثر من مرة دون وجود إثبات على كونه “الفاعل”.  

وما أن استطاعت السيدة استعادة أبنائها أخيرًا، حتى عادت تناكف في المحاكم من جديد؛ لبلوغهم السنّ الذي يسمح بحرية احتضان أبيهم لهم بشكلٍ مطلق ودون أيّة قيود.  

وبحسب قانون الأحوال الشخصية في المادة (391) فإنّ فترة حضانة النساء للصغار تنتهي في السن التي يستغني فيها الصغير عن خدمة النساء وهي سبع سنين للذكر وتسع للأنثى، وعندها تنتقل الحضانة من الأم أو الحاضنة إلى الأب.

وأعطى القانون للقاضي سلطة تقديرية لتمديد تلك الفترة سنتان لكلٍ منهما؛ بشرط اقتضاء مصلحتهما ذلك، وهو ما برز بوضوح في المادة (118) من قانون حقوق العائلة، التي أشارت إلى أنّه “للقاضي الإذن بحضانة النساء للصغير بعد سن 7 إلى 9، وللصغيرة بعد سنّ 9 إلى 11 إذا تبين أن مصلحتهما تقتضي ذلك”.

بدورها، تقول المحامية الفلسطينية الشرعية آية الوكيل، إنّ القانون الفلسطيني “في حالة الانفصال أو الطلاق” أعطى الحق للزوجة بحضانة أطفالها في سنوات عمرهم الأولى فقط، وينزع هذا الحق منها ببلوغ الولد تسع سنين والبنت إحدى عشرة سنة، فيصبح بعد ذلك الحق في حضانتهم مطلقًا للزوج ويتبقى للزوجة حق مشاهدتهم.

أما فيما يتعلق بتفاصيل مشاهدة الطفل، فقد ذكر تعميم رقم (2010/22) الصادر عن المجلس الأعلى للقضاء الشرعي، بخصوص دعاوي مشاهدة الصغار، أنّه عند الاختلاف في مشاهدة الصغار، يحكم القاضي بالمشاهدة على معايير محددة.

من تلك المعايير، ألا تزيد مدة مشاهدة الصغير في عمر أقل من (3 سنوات) عن ساعتين، وإذا كان أكبر من ذلك لا تقل مدّة المشاهدة عن (3 ساعات)، ويحقّ لطالب المشاهدة استضافته مدّة (24 ساعة كل أسبوعين).

وتشير الوكيل إلى أنّ هناك ضرورة وحاجة ماسة لتعديل هذا القانون وتمديد سن حضانة الأمهات لأطفالهن، ليتماشى مع القانون الدولي الإنساني الذي أوجب مراعاة المصلحة الفضلى للطفل.

وقد أظهرت العديد من الدراسات الحقوقية أنَّ قانون الأحوال الشخصية المطبق في فلسطين، لا يراعي مصلحة الطفل سواء ببقائه مع أمه أو إعطائه لأبيه، إذ ينظر إلى قضية الحضانة بمنتهى الجمود ويقف عقبة أمام مصلحة الطفل. 

نتيجة لذلك، دعا حقوقيون فلسطينيون إلى وجوب تمديد فترة حضانة النساء للصغار حتى سن الثامنة عشرة، ثم يُخير المحضون/ـة بين الإقامة عند أمه أو أبيه، مع الإبقاء على سلم الحاضنات من النساء الذي يبدأ بـ الأم ثم أم الأم ثم أم الأب إلى آخر هذا الترتيب المنصوص عليه في قانون الأحوال الشخصية.

الواقع ذاته في لبنان أيضًا، على الرغم من أنَّه بلد معروف بانفتاحه الاجتماعي نتيجة تعدد الطوائف الدينية المذهبية؛ إلا أنّ ذلك بدا عائقًا أمام نيل النساء المطلقات حقوقهن في حضانة أطفالهن ورعايتهم، إذ يوجد (15) قانونًا طائفيًا للأحوال الشخصية تبعًا لكل طائفة، فيما يطالب الكثير بإفراد قانون واحد مدني يساوي جميع أفراد المجتمع بعضها ببعض. 

وبحسب التقسيمات الطائفية للأحوال الشخصية، لكل طائفة “سقف للحضانة” حسب أعمار الأطفال: (12) سنة للذكر والأنثى عند السُّنّة، وسنتان للذكر و(7) للأنثى عند الطائفة الشيعية، وسنتان عند الطوائف الكاثوليكيّة، فيما يعتمد الرّوم الأرثوذكس سن الحضانة (14) سنة للذكر و(15) للأنثى. وتسري التباينات عند بقيّة الطوائف.

على ضوء ذلك، قالت منسقة قسم الإعلام في منظمة “كفى” زينا الأعور، “إن الحضانة واحدة من المشاكل الكثيرة التي تعاني منها السيدات في لبنان بسبب عدم وجود قانون موحّد للأحوال الشخصية”.

وأضافت الأعور “نعمل منذ فترة على مشروع قانون موّحد للأحوال الشخصية وقدّمناه إلى مجلس النواب في نيسان من العام الحالي، ومضى عليه 9 نواب من مختلف الأحزاب ونحن مستمرون في الضغط من أجل مناقشة هذا القانون”.

رغم ذلك، ترى الأعور أن حل ملف سن الحضانة بالنسبة للنساء المطلقات ليس كافياً إذ رأت أن التخلص من مشكلة التمييز الذي يلحق النساء، لا يمكن تجاوزه إلا من خلال إقرار قانون كامل للأحوال الشخصية قادر على إنصاف المرأة اللبنانية.  

وأشارت إلى أن “التمييز موجود لدى جميع الطوائف ومن دون استثناء، واللبنانيات بمختلف طوائفهم يعانين من موضوع الحضانة وغيرها من المواضيع”.

وفي البلدين لبنان وفلسطين، دعا الحقوقيون إلى الامتثال إلى القانون الدولي فيما يتعلق بحضانة الزوجين للأطفال. في فلسطين على وجه الخصوص بدا أن تطبيق اتفاقية سيداو الدولية ما زال يراوح مكانه إذ نصّت في المادة (16) في الفقرة (و)، و(د) على المساواة بين الزوجين في الحقوق والمسؤوليات فيما يتعلق بالولاية والقوامة والوصاية على الأطفال، بوصفهم أبوين بغض النظر عن حالتهما الزوجية.  

أما في لبنان، ووفقا لتقرير صادر عن منظمة حقوق الإنسان الدولية (Human Rights Watch)، عام 2015، يحمل اسم “لا حماية ولا مساواة” فإنّ الطريقة الوحيدة للتصدي بفعالية للتمييز ضدّ الأمهات هي وجود قانون مدني بشأن الأحوال الشخصية، وهو ما يبدو مستحيلاً في ظلّ مناخ الانقسام الطائفي الحالي الذي يعانيه لبنان.

نتيجة لذلك، ستبقى النساء في المجتمعين اللبناني والفلسطيني يُعانين؛ لأجل نيل حقوقهن في حضانة أطفالهن ما لم تتخذ محاكم البلدين قرارا بإصدار قوانين عادلة وشاملة تنصف المرأة وتحمي مصالح ومستقبل العديد من الأطفال.

أنتج هذا التقرير بموجب شراكة بين منصتي آخر قصة ونقد. 

لتصلكم نشرة نقِد الى بريدكم الالكتروني

Read Previous

معلَم شاهد على تاريخ بيروت… تعرفوا على قصة ميدان الخيل

Read Next

4 أخبار عليكم معرفتها مع بداية الأسبوع

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *