naqd politics

لين طالب: عندما تقتل العائلة براءة الطفولة

كُبرى الأكاذيب التي تعلّمناها أنَّ صِلة الدّم تجعلنا عائلة… لا! هي فقط تجعلنا قرابة في مصالح مشتركة، مُعلّبة ومُنمّقة إجتماعيًا، يغفو بين أفرادها عقد نفسية، وسِفاح قُربة يستبيحُ براءة تغافلنا عن حمايتها… وحدها المحبّة والانسانية والرحمة ما يجعلنا عائلة في هذا الكوكب.

لين طالب طفلة الخمس سنوات، فارقت الحياة نتيجة لاعتداء جنسي متكرر عليها في بيت والدتها؛ المنفصلة عن والدها، في أثناء عيد الأضحى، قصة قصيرة تعكس البربرية والوحشية المتخفية بعباءة الأسرة والمجتمع وصلة الرحم.

لين ذهبت أضحية لمن؟ أضحية ليعيش النفاق ويتغلغل أكثر في مجتمعاتنا المريضة التي تفرغ قرفها وكبتها في اجساد الصغيرات، ما حصل مع  لين طالب هو جرائم متعددة في آن. ترويع متكرر، اعتداء متكرر، اغتصاب متكرر، إدماء متكرر، قتل.

لين ليست الضحية الأولى ولن تكون الأخيرة وما خفي أعظم، في مجتمعات تحارب المثلية بحجة الفطرة السليمة وحماية الطفولة، بينما هي أكثر من يعاني من الشذوذ بجواز زواج المسن من طفلة، والتحرش بالأطفال واغتصابهم حتى من الأقارب. يرعبني التفكير في شعور طفلة يجري اغتصابها وتعذيبها، أتخيلها مستنجدةً بأمها، بصرخاتٍ تخفت مع خفوت نبضات قلبها الصغير، أتخيل الدموع في عينيها، طالبة الرحمة من ذئب بشري معدوم المشاعر. خاب امل الطفلة وهي تنتظر من يحميها، من يعيد اليها مساحتها الآمنة، من يوقف ألامها، من يمسح دموعها، من ينقذها.

تبرز حكايات اغتصاب الأطفال التي تنتهي بقتل وحشي أحيانا وتغيب، ليس لأنها قليلة الحدوث، بل لأن أغلبيتها لا يجري التبليغ عنها، ولكنها تترك جروحاً لا تندمل، فالسر يبقى مدفونا حافرا ثقوبا في القلب والروح، واذ نجت الضحية من الموت، لن تنجو من التروما وعذابات الذاكرة إلى ما لا نهاية.

لا نسمع عن هذه الجرائم إلا إذا نتج عنها موت الطفل، أو انكشفت الواقعة، لكن ما يهزّني دائما أن الاعتداء على الأطفال لا يهزّ المجتمع كفاية، فعائلات تنتفض معاقبةً فتياتها بالتعذيب أو الضرب أو الذبح لمجرد شك في أنها “لطخت شرفها”. وفي حالة الاعتداء على الأطفال، لا نجد حديثا عن شرف، إذ لا ينطبق مفهوم الشرف الممسوخ على الأطفال، وقد يكون من حسن حظهم.

تفضح الجرائم الكثير من زيف الادعاء بالأخلاق والتقاليد، وعن حالة كبتٍ جنسيٍّ في مجتمع يمجّد الذكورية، و”يغفر” تعدّياتها وتجاوزاتها، أي أننا بحاجةٍ إلى عملية تربية، تترافق مع قوانين صارمة وتوفير دور رعاية اجتماعية وإعادة تأهيل، والأساس أن نعتبر فجيعة اغتصاب أي طفلٍ، أو التعدّي عليه، فجيعتنا الشخصية، والاعتبار أن أي نائب أو صاحب نفوذ يحاول التغطية على الجريمة الشنيعة هو مجرم ايضاً لان لين هي طفلة كل لبنان.

كل أم حقيقية بكت عليكي اليوم يا حبيبتي، كل أم ذهبت بخيالها لبعيد وكأنها كانت معك، رجفت معك،  انرعبت معك، وتألمت حتى الموت. لين، اصعدي عالياً يا ملاك، لا تخافي، اصبحتي الان بآمان. طيري كالفراشات وحلقي عالياً.

سامحينا واعذرينا، لم نستطع ان نحميكي هنا، توسخت كثيرا هذه الأرض ولن تعد قادرة على صون براءتك. لك كل السماء لتلعبين مع عصافيرها، وترقصين مع نجومها، تلونين غيومها، تشرقين مع شمسها، وفي الليل كوني قمرها.

لتصلكم نشرة نقِد الى بريدكم الالكتروني

Read Previous

قمّة الشهداء ومقاومة الغزوات… تعرفوا على قصّة القرنة السوداء

Read Next

بين دولرة الاقتصاد ودولار المغتربين… الحياة تعود إلى بيروت

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *