naqd politics

جيوسياسة تغيّر المناخ: الأنظار على القطب الشمالي

خلال الشهر الماضي، نظمت ندوة سرية لعلماء المناخ وخبرائه وقادة السكان الأصليين في القطب الشمالي ومسؤولي الأمن القومي من ست دول قطبية، كان الهدف من هذه الندوة تحديد السيناريوهات الأكثر وضوحا وكشف المسارات لكيفية تطور الجيوسياسة المرتبطة بتغير المناخ في القطب الشمالي ورسم الخطوات القابلة للتنفيذ.

يؤثر التغير المناخي بالفعل على القطب الشمالي، بحيث ترتفع الحرارة في المنطقة بمعدل يفوق ب٣-٤ مرّات المتوسط العالمي. يتراجع الجليد خاصة بين شهري نيسان وأيلول مما يفتح طرقًا جديدة للملاحة ويمكّن من الوصول الى الموارد البحرية. إن الذوبان المستمر يؤثر على البنية التحتية لهذه المنطقة، مما يزيد من وقوع حوادث بيئية وطبيعية. كما ان تسارع ارتفاع مستوى سطح البحر سيكون ذات تأثيرات عالمية طويلة الأمد.

في جميع السيناريوهات المحتملة سيستمر الاحتباس الحراري العالمي وفي القطب الشمالي بمعدل يفوق المتوسط العالمي. بحلول منتصف القرن، من المرجح ان تستمر وتزداد شدة وحدّة الموجات الحرارية كما سيزداد هطول الامطار الغزيرة والفيضانات والحرائق الهائلة بالاضافة الى اضطراب شبكات الغذاء البحرية وصيد الاسماك وارتفاع مستوى سطح البحر التي تؤدي الى غمر السواحل، وربما الى اللجوء المناخي. ستكون التأثيرات على المجتمعات القطبية خطيرة بشكل خاص. فسيضطر بعضهم الى الانتقال وسيضطر البعض الآخر الى التكيف. لذلك وباختصار، من المستحيل تحديد مصير القطب الشمالي دون توقع مستقبل التحول المناخي والجغرافي.

التغير المناخي يؤثر بالفعل على الجيوسياسية، في هذا الصدد بدأت روسيا بدمج توقعاتها بما يخص تغير المناخ بشكل جدي وصريح في استراتيجيتها الاقتصادية والامنية. اذ اشار فلاديمير بوتين الى انه يعتبر القطب الشمالي قاعدة موارد أساسية لروسيا ومعقلًا عسكرياً أساسيًا للعقود المقبلة. كما يبدو ان بوتين يعتقد ان الموارد الهيدروكربونية التي لم يستغلها الغرب في القطب الشمالي ستكون حاسمة ايجابياً لمستقبل روسيا الاقتصادي. كما ان انسحاب الشركات الغربية قد ازال الضغط عن صناع القرار الروسيين الذين واجهوا شكوكًا في نجاح هذه الخطة. يزيد نشاط روسيا  احتمالية وقوع كوارث بيئية في السنوات المقبلة في القطب الشمالي، بما في ذلك التسربات النفطية والتسربات الاشعاعية.

لا يمكن للولايات المتحدة وحلفائها في القطب الشمالي تجاهل اعمال روسيا. وبينما لا تزال الحرب قائمة في اوكرانيا، لا يمكن ايضا تجاهل التصادم العسكري المحتمل وقوعه في المستقبل بين روسيا وحلف الشمال الاطلسي في القطب الشمالي. فيواجه هذا الأخير تحدي كيفية تعزيز هياكل الدفاع الخاصة به وزيادة نطاق التدريبات في القطب الشمالي دون المخاطرة بحدوث سوء تفاهم وحوادث قد تؤدي الى نزاع مع روسيا. كما من الممكن ان تنتج العزلة الدبلوماسية التي تواجهها روسيا والضعف الاقتصادي لموسكو، منح الصين دورًا اكبر في تتطوير الممر البحري الشمالي. من المستبعد ان يخدم وجود عسكري صيني في القطب الشمالي مصالح روسيا، لكن الحرب المستمرة في اوكرانيا، والتي لا يزال نظام بوتين في السلطة خلالها، تشير الى تعاون صيني روسي عميق وقوي.

يمتلك الحزب الشيوعي الصيني رؤية خاصة لصلة التغير المناخي-الجيوسياسي. فيناقش الخبراء الصينيين الآثار المباشرة للتغير المناخي ويعتبرون انها تهديد امني وطني متعدد الأبعاد. كما يمكن ان تنتج  الكوارث الطبيعية المرتبطة بالمناخ ضغوطًا مالية وهجرة وحتى اضطرابات اجتماعية غي كافة انحاء الصين. في الخارج، يشير بعض المختصين في السياسات الصينية الى ان التغير المناخي ينتج بشكل غير مباشر فرصاً اقتصادية وجيوسياسية يمكن للصين ان تستغلها. ينظر الى القطب الشمالي كمنطقة تتمثل فيها الفرص المتعلقة بالمناخ بشكل واضح. يتم اعتبار علم المناخ خطوة اولى اساسية في الاستراتيجية الطويلة الامد التي تتبعها الصين لتصبح ” قوّة قطبية كبرى”. على المدى القصير، حاولت الصين ان تحرض روسيا والولايات المتحدة على بعضهما البعض في حين تستغل هي ذلك لتوسيع وجودها في القطب الشمالي، لكنها لم تنجح في ذلك. لدى الصين كامل الحق في متابعة البحوث العلمية السليمة في القطب الشمالي، كما ان التعاون في قضايا تتعلق بالمناخ يفيد المجتمع الدولي بأسره. ومع ذلك، فإنه لن يكون في مصلحة الولايات المتحدة اذا تحققت اهداف الصين الاستراتيجية باستخدام روسيا او دول اقليمية اخرى لادخال نفسها في الحكم الاقليمي والمطالبة بمصالحها الخاصة على حساب الدول والمجتمعات الداخلية القطبية.

السيناريوهات والمسارات:

تعكس بعض السيناريوهات نتائج متفائلة والبعض الاخر متشائمة نسبياً لتأثيرات التغير المناخي.

منطقة قطبية متشعبة:

على المدى القصير، يستمر ارتفاع درجة حرارة القطب الشمالي. بينما تدخل “الحرب الباردة الثانية” بين الولايات المتحدة والصين عقدها الرابع، ومع استمرار التفكك الاقتصادي العالمي. تقترب موسكو وبكين من بعضهما البعض، ويتم اجراء تدريبات عسكرية مشتركة بين البلدين بالاضافة الى توسع التعاون الاقتصادي في المنطقة الطبية. فحينئذٍ يتحول القطب الشمالي الروسي الى معسكر عسكري يؤدي الى عدم تكمن السفن الغربية من عبور الممر البحري دون التعرض للتحرش او ما هو أسوأ. وعلى اثر ذلك فان الهوة تتسع بين اعضاء المجلس الشمالي وروسيا مما يجعل عملية التوافق مستحيلة حتى على المسائل الروتينية. فيزداد حينئذٍ الاهتمام بالقطاع الخاص ويبنى المزيد من الموانئ، ويتحول حوض مضيق بيرينغ الى قضية رئيسية.

المنافسة المدروسة: 

يتصور هذا نتائج متفائلة نسبيًا لكل من تغير المناخ الجيوسياسة. اذ تتوصل الولايات المتحدة والصين الى طريقة لادارة منافستهما طويلة الامد من دون اي نزاع مباشر. نتيجة لذلك تستفيد المجتمعات القطبية من هذا التنافس الواقع بغية التفاوض على ايجاد حلول لمسألة المناخ. تتطور السياسة المحلية في الولايات المتحدة وتصبح البلاد الرائدة في مجال الطاقة النظيفة. تنسجم الصين بنفسها وتطرح نفسها كمزود لركائز البنية التحتية المقاومة لتغير المناخ. لا يزال اقتصاد روسيا يعتمد بشكل كبير على استخراج الموارد، لذلك سيتعين على قادتها اجراء اصلاحات والبحث عن مساعدات من الصين والغرب. يتعاون العلماء الصينيون مع كافة الجوانب وتصبح الصين لاعباً اساسيا في القطب الشمالي. فيقل الاهتمام بالموارد الهيدروكربونية ويتحول الصيد والمعادن والشحن الى صناعات نمو رئيسية.

التكيف والاستثمارات:

في السيناريو الاخير تحول القوى الاقتصادية الكبرى تركيزها الى التكيف. فتبني الولايات المتحدة والصين حواجز في ما بينهم ويكون التنافس الاقتصادي اشد من اي وقت مضى، لكن نسبة وقوع اي حرب كبرى تكون متدنية جدًا. في حين تجبر واشنطن وبكين موسكو على ضبط طموحاتها الجيوسياسية واعادة النظر في الانخراط في النظام العالمي وفتح اقتصادها للاستثمارات الاجنبية. فيمنح تدفق الاستثمارات الاجنبية الاقتصاد الروسي الشبه منهار استقراراً.  تتنافس الصين والغرب على الموارد القطبية وتسعى المجتمعات القطبية الأصلية الى مشاركة الارباح.

لدى جميع الدول القطبية والغير القطبية مصلحة مشتركة في الحفاظ على نظام قوي وشامل، مع وجود حرية المرور في مضيق بيرنغ واتباع بروتوكولات لمنع وقوع الكوارث البيئية والاستجابة لها في حال وقوعها. في حال عدم خلق نظام كهذا فمن غير المرجح ان تتمكن وتستمر شركات الصيد والمعادن والهيدروكربونات في القطب الشمالي.

لن يتم التحكم بمستقبل القطب الشمالي من قبل اي دولة او اي اتجاه،وسيظهر ذلك مع مرور الوقت. بينما يراقب مختلف الاطراف الفاعلة الحالة ويخططون للمستقبل مع مرور الايام، لا يمكن الوثوق من احتمالية تجنب أسوأ السيناريوهات. ومع ذلك، فإن التفكير بخلق نظام يكون عنوانا للتوازن في تلك المنطقة يمكن حينها توجيه مسار التاريخ لاتجاه يكون اكثر بناء.

لتصلكم نشرة نقِد الى بريدكم الالكتروني

Read Previous

لين طالب: الخال متورّط والعائلة كانت تعلم

Read Next

لبنان المخطوف: هروب من دولة اللاأمن والميليشيا الصفراء

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *