naqd politics

شبح 11 أيلول في إسرائيل… هل من شرق أوسط جديد؟

لطالما كان الصراع الإسرائيلي الفلسطيني آلة لتبرير جرائم الحرب، من جميع أطراف النزاع، وهنا بالتحديد تكمن الأهمّيّة الإنسانيّة لإيجاد حلّ جذريّ ونهائيّ له.

إن صدمة أحداث السابع من تشرين الأول الدمويّة، وما سيترتّب عليها من تداعيات، تعيد حتماً خلط أوراق أولويّات القادة السياسيّين على الساحة الدولية. إلى أي مدى إذاً يمكن تشبيه “طوفان الأقصى” فعلاً بأحداث 11 أيلول 2001؟

عودة الشرق الأوسط إلى الأجندات

بدايةً، لابد من استخلاص الدروس والعبر من هذا التحوّل النوعي في الشرق الأوسط الّذي دُمغت ساحته في الفترة الماضية بسياسة «الإرهاق الغربي من الشرق» والتي تجلّت في صورة خاصّة بالانسحاب العسكري الأميركي من المنطقة.

ويعود هذا التحوّل الاستراتيجي إلى حد كبير للحاجة الغربيّة، وفي مقدّمتهم الولايات المتّحدة، الى تثبيت قواعد النظام العالمي القائم منذ ما بعد الحقبة الثنائيّة القطب في مواجهة صعود الصين من ناحية، والحفاظ على الـ”status quo”، الإيجابي في المجال (sphère) الأوروبي منذ ما بعد الحرب الباردة الذي هزّه الغزو الروسي لأوكرانيا من ناحية أخرى.

وتأتي أحداث يوم السبت وما تلاه لتأكيد أن استراتيجيّة النعامة في هذه المنطقة بالذات لا يمكن إلّا أن تكون محدودة زمنياً، بدليل قرار البنتاغون إرسال حاملة طائرات حربيّة لمساندة تل أبيب.

في كتابه المرجعيّ “الجغرافيا السياسيّة”، دعا فريدريش راتزل، أبو الجغرافيا السياسية (géopolitique) الألمانية، الى التمييز بين مناطق جغرافيّة لديها قيم سياسو-جغرافيّة “مؤونة ومحقّقة” (actualisées et réalisées) في ظروف وعهود تاريخيّة معيّنة، أي أنّها قيم مرحليّة تتغيّر وتتبدّل وربما تختفي نهائيّاً مع انتهاء الظروف التي أدّت إليها.

بالمقابل، هناك مناطق ذات “قيم كامنة مستمرّة وثابتة” (Valeurs latentes, permanentes et constantes). (وفقاً لشرح الدكتور نبيل خليفة بكتابه “جيوبوليتيك لبنان – الاستراتيجيّة اللّبنانيّة”، مركز بيبلوس للدراسات والأبحاث، الطبعة الأولى 2008).

وبهذا يتيح لنا راتزل تصوير الأهمّيّة الثابتة لمنطقة الشرق الأوسط. إذ بالإضافة إلى أهمّيّة موقعه الجغرافيّ، يتمتع الشرق الأوسط، باعتباره مهد الديانات الإبراهيمية، بأهمية جيوسياسية عالميّة كبرى،ما يشهد عليه التاريخ، بالإضافة الى موارده الطبيعيّة.

وتأتي أحداث 7 تشرين الأوّل لتذكير المجتمع الدولي بأنّ السلام في الشرق الأوسط يمرّ إلزاميّاً من بوّابة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأنّ “مشوار” السلام يجب أن يبدأ بالفلسطينيين أنفسهم، ومن ثمّ إلى بقيّة الدول في المنطقة – لا العكس – من أجل تحقيق سلاماً طويل الأمد نسبيّاً.

نجاح “حماس” النسبي

على صعيد آخر، وبتأكيد إسرائيليّ، حقّقت حركة حماس أهدافًا “تاريخيّة” في عمليّة “طوفان الأقصى. وعلى رأس لائحة الأهداف المحقّقة، انتصارها بالضربة الملك في الحرب النفسيّة. إذ أظهر التقدّم الميدانيّ لمقاتلي حماس في الداخل الإسرائيلي، بمقابل تضعضع وذهول الطرف الآخر، وهن منظومتيّ الأمن والدفاع لتل أبيب. ولهذا الواقع أثر دراماتيكي على المواطنين الإسرائيليّين وثقتهم بمؤسّساتهم الأمنيّة والعسكريّة الّتي أحيطت تاريخيّاً بهالة من الأساطير.

بالإضافة إلى ذلك، إن معايير نجاح عمليّات المنظّمات الإرهابيّة تختلف عن معايير تقييم نجاح الجيوش التقليديّة المعروفة مثل احتلال حيّز جغرافي والسيطرة عليه. إذ إنّ هدف عمليّات الأولى نفسيّ أوّلاً، أي الإرهاب، لترجمتها لاحقاً في مكاسب سياسيّة. وبالتالي فإنّ معايير النجاح مرتبطة بمدى التأثير النفسي على المجتمع المستهدف وهو مرتبط بعوامل عدّة مثل الأساليب المستخدمة كاستخدام المظلّات في هجوم 7 تشرين الأوّل، العمق الاستراتيجي للهجوم كضرب أهداف حسّاسة مثلاً، وفي هذه الحالة تخطّي الجدار الفاصل بسهولة وسرعة والتغلغل في الداخل الإسرائيلي، أو عدد الضحايا والأسرى الذي وصل للمئات من دون التمييز بين أهداف مدنيّة أو عسكريّة. وتنعكس عزيمتها غير المشروطة بالأعراف الإنسانيّة هذه، على لا مبالاتها تجاه التبعات التي قد تطال “حاضنتها الشعبيّة” من دمار وضحايا مدنيّين في غزّة.

ولقياس مدى قساوة الضربة الّتي تلقّتها إسرائيل هذه المرّة، وفيما قايضت تل أبيب عام 2011 جندياً أسيراً واحداً لدى حماس (جلعاد شاليط الّذي وقع في الأسر عام 2006) ب1027 معتقل فلسطيني، تمكّنت حركة المقاومة الإسلاميّة في عمليّة “طوفان الأقصى” من أسر العشرات بين مدني وعسكري إذ يفوق عدد المفقودين حتّى الساعة المئة شخص.

لكن هل يكفي نطاق عمليّة “طوفان الأقصى” لتشبيهها بأحداث 9/11 المفصليّة في السياسة الدوليّة؟

تتشارك عمليّتيّ 11 أيلول و7 تشرين الأوّل قواسم عدّة أوّلها نقل الصراع على أرض العدوّ، الولايات المتّحدة مع الأولى وإسرائيل في الثانية، وبعدد الضحايا المدنيّين الكبير وما يرافق ذلك من شعور بالصدمة داخل المجتمع. أمّا أهم القواسم المشتركة فتكمن بضرب صورة المستهدف: إذ أظهرت أحداث أيلول أن القوّة الأقوى والشبه وحيدة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي على الساحة الدولية قابل للاستهداف على أرضه… فيما تأتي هجمات تشرين الأوّل لتزعزع الصورة الأسطوريّة للجيش والمخابرات الإسرائيليّة.

وشكّلت 11 أيلول رافعة للمحافظين الجدد – إدارة الرئيس بوش – لتسويق مبدأ الحرب الاستباقيّة على الإرهاب وهو “policy oriented concept”، أي مفهوم موجّه نحو السياسة المطبّقة.

ولاحقاً استعمل مبدأ الحرب الاستباقيّة لضرب دول “محور الشر”، وهو تصنيف سياسيّ للدول التحريفيّة (révisionnistes) أي المناهضة للنظام الدولي الخاضع بشكل كبير للسيطرة الأميركيّة آنذاك. (عبارة استخدمها الرئيس الأميركي بوش في خطابه الى الأمّة، 2001).

أمّا في السياق الدولي، فأتت هذه الاستراتيجيّة لتثبيت الهيمنة الأميركية على النظام الدولي بمواجهة بدء بروز أنياب القوى الصاعدة. فأوّل ذكر لتسمية مجموعة BRIC (قبل إضافة حرف S في العام 2010 مع انضمام أفريقيا الجنوبيّة) يظهر في دراسة للاقتصادي في المصرف الأميركي غولدمان ساكس Jim O’neill.

لكن سياسة المطرقة ارتدت سلباً على دور الولايات المتحدة وصورتها على الصعيد الدولي بدليل بلورة مفاهيم جديدة، policy oriented أيضاً، في العلاقات الدوليّة مثل مفهوم القوّة الناعمة (soft power) من قبل Joseph Nye.

على الصعيد عينه، تصهر المآسي والأزمات الوحدة الداخليّة في مواجهة الخطر الداهم كما تجرّ التضامن الدولي، وهو ما كانت تفتقده حكومة نتانياهو حتى السابع من تشرين الأوّل.

وسارعت حكومة تل أبيب إلى تفعيل المادة 40 من القانون الأساسي للحكومة الإسرائيلية الخاصة بإعلان الحرب وهو ما لم يحدث منذ عام 1973 في حرب يوم الغفران.

فكما كان لأحداث الحادي عشر من أيلول أثر عميق على السياسة الدوليّة العالميّة، ستدفع أحداث تشرين الأول بتغييرات مهمّة على الساحة الشرق أوسطيّة. وأولى بوادر استغلال الخوف الجماعي الإسرائيلي والتضامن الدولي، جرائم حرب سلاح الجو والمدفعيّة الإسرائيليّين بحق المدنيّين الغزاويّين وهو تكتيك تعتمده الجيوش التقليديّة حال تحصّن مجموعات عسكريّة غير تقليديّة (منظّمات إرهابيّة، حركات مقاومة…) في مناطق ذات كثافة سكّانيّة لتقليل خسائرها المحتملة.

وحال لجأت إسرائيل إلى استراتيجيّة الضربات والاغتيالات الموجّهة الاستباقيّة لضمان أمنها – إذ إنّ الحروب الشاملة آخر ما تلجأ إليه دول بوضع استراتيجي مثل إسرائيل – سيكون حزب الله بطليعة المستهدفين نظراً لقدراته ودوره بدعم أذرع إيران الأخرى.

لتصلكم نشرة نقِد الى بريدكم الالكتروني

Read Previous

هل يشعل حزب الله جبهة الجنوب؟

Read Next

كيف سيتأثر التطبيع العربي الاسرائيلي بعد “طوفان الأقصى”؟

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *