naqd politics

الكره والتحريض والحرب والميليشيا: رباعيّة همجية في وجه الصحافيين

لطالما كانت بيروت عاصمة لبلد الانفتاح والحريات، ومقصدًا لمنظمات وجمعيات وشركات دولية عريقة، تستثمر بغنى مواردها الثقافية ومحتواها الفكري وشعبها “القريب من القلب”.

لكن من ينظر اليوم إلى حال لبنان ومناطقه بعين مجردة، قد يسأل نفسه: “أي لعنة أُلحقت بهذا البلد.. وأكلت فيه الأخضر واليابس وقضت على اقتصاده وأمنه وقضائه.. وثقافته وحضارته؟”

والجواب على السؤال بسيط وواضح، بحيث نقلته إلينا مختلف المصادر عبر شتّى الوسائل والسرديات – رغم تلاعب البعض بحقيقة الوقائع –  واتضحت الصورة، وبانت لنا ظاهرة الكراهية التي باتت نظامًا يتحكم بمختلف نشاطاتنا، ويؤثر علينا بشكل سلبي ويمنعنا من الوصول إلى الوطن الذي يحلم ويرغب به كل شاب لبناني.

المعروف، أن الكره والبغض عبارة عن مشاعر عدوانية تجاه شخص أو فئة اجتماعية لسبب معين، أو لمجرد عدم التعاطف مع ظاهرة ما بحجة أنها تعادي ديانة مُعتنَقة أو تقليد متّبع. لكن حقيقة الأمر في بلدنا، أن المشاعر تلك نابعة عن مرض نفسي متوارث منذ القدم، يكمن في أفراد يدّعون حماية الطوائف والآلهة، وهم يتسلحون بخطابات الكراهية والسلوك العنيف في الوقت نفسه.

ففي لبنان، يجتمع مجموعة من الغوغائيين ويقررون من تلقاء أنفسهم مهاجمة فئة اجتماعية “مكروهة ومثيرة للاشمئزاز” – بحسبهم –  وعزلها وإصدار قرار إعدام بحقها، والغريب العجيب أن أغلب الحالات العدائية تتم مؤخرًا بالتواطؤ مع أجهزة أمنية كان من المفترض أن تحمي الأقليات والفئات المهمشة في البلاد.

إعلاميو أوطاننا يعانون الأمرّين

لم يسلم صحافي في العالم من الكراهية، وفي بلادنا حاليًا، تخضع الصحافة لضغوطات من مختلف الجهات والأحزاب – متطرفة اجتماعًيا كانت أم متعجرفة سياسيًا – وهذا كله ناتج بشكل مباشر أو غير مباشر عن سيطرة ميليشيات تفعل ما تشاء، وقتما تشاء، لتحقيق توجهها وفرضه بالقوة على الآخرين. وعند التوجه إليها يرفع أمينها العام إصبعه ويقول: “الموضوع عند الحكومة نحن ما خصنا”.

فبعد دفاع ديما صادق عن شاب تعرض لهجوم من قِبل مجهولين عنصريّين – ولو تم تكذيب الرواية – لوحِقت قضائيًا ووُجِّهت إليها أسوأ التهم، وحُوِّلت إلى محكمة بعيدة كل البعد عن “المطبوعات” وجُرّدت من حقوقها المدنية، بدلًا من السعي للتوصل إلى هوية المعتدين وكبح سلوكهم الذي يجسد كل تعاليم الكراهية العمياء.

والأسوأ أنه بعد استدعاء الصحافيين، النابع عن انحياز لفريق سياسي مجرم ومحتال، يتم التعامل معهم كما لو أنهم المسؤولون عن الهجوم الإرهابي الذي ضرب أمريكا في 11 أيلول عام 2001، ويتم استجوابهم بطريقة غير قانونية وبدون أي رقابة قضائية.

الكراهية.. بين الحياد الإعلامي وترهيب الصحافيين “الصهاينة”

وفي السياق، لم تتكلف وكالة “رويترز” الدولية في الكشف عن هوية قاتل الصحافي الشهيد عصام عبدالله، وعلم فريق نَقِد أن عبدالله عمل مع الوكالة مذ كان طالبًا في كلية الإعلام، أي منذ أكثر من 8 أعوام.

الوكالة المدعومة غربيا، دائمة التسلح بالحياد والمهنية الإعلامية، فضلت عدم المساس بجيش الاحتلال الإسرائيلي المعتدي، وتبرئته من اغتيال صحفي كان كل ما يقوم به هو واجبه (نقل الصورة كما هي).

وبعد ضغط، وغضب شعبيَين، كشفت الوكالة عن هوية القاتل، ولكن بعدما أثبتت للعالم وقوفها إلى جانب نظام عنصري، يتسلح زعماؤه بخطاب الكراهية، ضدنا نحن العرب.

بدورها، جويس عقيقي غادرت مبنى الـ”أم تي في” في النقاش شمالي بيروت، وذهبت نحو الجنوب لتغطية وإثبات جرائم حرب يرتكبها الجيش الإسرائيلي العنصري بحق أرض الجنوب. اتُهمت عقيقي بالعمالة، وصُنفت في قائمة الصهيونية، وطُلب منها مغادرة الأرض بحجة نقلها معلومات للعدو. علماً أنها أول من قال أن “الاحتلال الإسرائيلي قصف عصام”، خلال تغطيتها جنازته.

عِوضا عن “التأهيل والتسهيل” بالصحافيين بفضل نقلهم إلى العالم، أحداث الجنوب غير المستقرة، تمنعها الميليشيا من القيام بواجبها المهني بحجة الدفاع عن أرض الجنوب.

على صعيد آخر، لا يمكن للبناني أن ينكر محاسن المقاومة اللبنانية في زمن من الأزمنة على الحدود ضد إسرائيل، ولكن كصحافيين وكشباب مثقفين يحلمون بلبنان أفضل، لا يمكن أن نقبل باحتجاز أي صحافي لأي حجة دون القانون والدستور، محمود شكر كان أم مايا هاشم وغيرهم كثر.

حرية الرأي والتعبير أمست “Cliché”

وسط ذهنية عديمة التفكير وقوانين تُسن وفق غرائز ذكورية وقبلية، لا وفق دستور ضحّى الآلاف من أجل صياغة بنوده، يتم اغتيال حرية الرأي والتعبير.

إذا عبّر صحافي عن رأيه تجاه مؤسسة أو جهة معينة، اتُهم بالتشهير والقدح والذم، والمستغرب أنه أرفق رأيه المهني منذ البداية بوقائع وأرقام حقيقية، لكن وصلت حدة الكراهية لدى الغالبية إلى درجة التضليل وطمس الحقائق.

ويعمل الناشطون بجهد ليتخلصوا من نظام تسبب في هدم دولة بأكملها، يُتّهمون بعدها بالعمالة والتبعية إلى الخارج.

أو يسعى كوميدي كنور حجار، للترفيه عن مواطنين سئموا حالة “التعتير” التي تنهش من كاهل البلد بشكل متواصل، فيُتهم لاحقًا بالإساءة إلى دين أو مذهب من المذاهب.

ختامًا، سوء الإدارة في لبنان ونظام الكراهية والمحاصصة والمقايضة، من أهم الأسباب التي أدت إلى فشل كافة المرافق والقطاعات. إذ ساهمت بعض المؤسسات وخاصة الإعلامية منها، بالخراب الحاصل عبر خطاباتها وأيديولوجياتها المليئة بالهجوم المكرس لمفهوم الكراهية. وبات لتلك المؤسسات سلاح جديد تواجه فيه “الخطر الوجودي” الذي يهددها.

فعوضًا عن مواجهة خطر اللجوء، والاحتلال، والاحتيال، والهدر، والفساد، نواجه مجتمع الميم عين الذي لا تربطه بالفساد أي صلة، وكل ما يبحث عنه أفراده في الحقيقة هو السلام.

فبرأي تلك المؤسسات والجهات، أن المثلية – تلك التهمة الشائعة مؤخرًا – تهدد الوجود البشري، وتعمل جاهدة لاستمالة الجماهير وتنييمها مغناطسيًا.

حسنًا أسئلة لهذه المؤسسات، ماذا عن الخطر النووي؟ والتعدي على مصدر أرزاق اللبنانيين؟ وكابوس المجاعة نتيجة حرب قد تشتعل في أي ثانية؟ وتقليص حجم لبنان ودوره عالميًا؟ هل تفكيركم محدود لهذه الدرجة؟ هل دفع الكره أدمغتكم إلى الشلل الكامل؟

لتصلكم نشرة نقِد الى بريدكم الالكتروني

Read Previous

الإبادة الأكبر في العصر… “طريق السلام حُجِبَ عن عينيك”

Read Next

Challenging Power Struggles: Giving Hope for Families of the Disappeared

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *