naqd politics

الصّمود النفسي في وجه العواصف: رحلة شاقّة في زمن الحروب

منذ بدء الحرب على غزة، خسر ما لا يقلّ عن 7000 شخص حياتهم، وعدّاد الشّهداء يرتفع يوميًّا في ظلّ الإبادة الجماعيّة التي يرتكبها الإسرائيليّون بحقّ مدنيّين أبرياء.

من دون أيّ شكّ، تتسبّب الحروب بخسائر كبيرة، بدءاً من إزهاق الأرواح، ووتسبّب بجراح بدنيّة.

ولكنّ ما وراء الكواليس أكبر بكثير ممّا تراه الأعين، لأنّ للحروب والنزاعات آثاراً نفسيّة جسيمة تقضي على صحّة من يعيشها. وبالطّبع، لا داعي لنغوص في عمق ما يمرّ به أهل الصّراع، أيّ سكّان غزة، لأنّ ما يتعرّضون له من خوف وقلق وصدمات يوميّة يفوق التوقّعات.

مخطئ من يظنّ أنّ أهل الصّراع وحدهم من يعانون: تقع الصحّة النفسيّة للأفراد البعيدين نسبيًّا عن الحرب ضحيّة أمام المشاهد والصّور المؤلمة التي تنتشر. من منّا لم يشعر بالضّعف عندما شاهد مجزرة “مستشفى المعمداني” وصور الأشلاء البشريّة والدّماء والدّمار؟ من منّا لم ينكسر أمام عجزه عن احتضان أولئك الأطفال الذين يرتجفون بعد أن فقدوا عوائلهم؟

يؤكّد “حسان”، وهو مواطن لبناني، لمنصّة نقد: “بتنا نشعر بالذنب عندما ننسى ولو للحظة ما يجري في غزة، أو عندما نكمل حياتنا وكأنّ شيئًا لم يكن. أصبحنا نشعر أنّ ضحكاتنا خيانة وفرحنا خيانة وسقف بيتنا خيانة. بقاؤنا على قيد الحياة بات نقمة بدلًا من نعمة، لماذا تحقّ لنا الحياة، ولا تحقّ لهم؟ أنا، وكلّ من حولي، خائفون ومتعبون وعاجزون”.

هذا العجز لا يقتصر على ما يحصل في غزة فقط، فقد أثارت جبهة الجنوب موجة جديدة من المخاوف والتساؤلات، وأصبح سكّان الجنوب والمناطق التي قد تتأثّر بتوسّع الجبهة يعيشون حربًا نفسيّة وقلقًا دائمًا. موجات من النزوح وحملات “ضبّ الشِنَط” في مختلف المناطق، خطط طوارئ وخوف من أصوات السيّارات والدرّاجات الناريّة المرتفعة. متى يحين دورنا؟ نحن الذين لا زلنا نتعافى من انفجار حوّل بيروت إلى مدينة منكوبة ومن ما نعيشه من مآسِ يوميّة في لبنان، ونحن الذين خضنا حروباً تركت داخلنا ندوباً نفسيّة بالكاد محتها الأيّام.

تؤكّد المستشارة والمدرّبة “كلود لبّس”، الحائزة على شهادة في علم النفس وفي التواصل والعلاقات الإنسانيّة بحسب منهجيّة “Espere”، عبر منصّة “نقد”، أنّنا في لبنان خصوصًا “نعيش ظلال ماضينا، إذ مرّت علينا حروب كثيرة انتقلت أصداؤها من جيل إلى آخر. تستيقظ ذكريات الحروب داخلنا عندما تتعرّض ذاكرتنا لصور ومشاهد العنف والقتل والدّمار المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي قد يعيد اضطرابات نفسيّة داخليّة سابقة إلى الواجهة مجدّدًا”. وتؤكّد أنّ للأهل والتربية دوراً كبيراً في ذلك ” بالرغم من أنّنا نشعر أحيانًا أنّ مخاوف أهلنا الذين عاشوا حروبًا لم نعشها نحن غير مبرّرة، إلّا أنّنا قد نحمل هذا الخوف بشكل غير واعِ، وقد يستيقظ ذلك الشّعور عندما نربطه بأحداث قد تصيبنا، لأنّنا سمعنا عنها من قبل، ما يولّد قلقًا واضطرابات نفسيّة تصل إلى حدّ الاكتئاب”.

وتضيف “كلود” أنّ هذه الاضطرابات قد تتجسّد على هيئة مشاكل صحيّة أيضًا، مؤكّدة أنّه “في كثير من الأحيان، وفي ظروف كهذه التي نعيشها، يعاني أفراد من مشاكل بيولوجيّة تعود أسبابها الرئيسيّة إلى اضطرابات نتجت عن “صدمة نفسيّة” تعرّضوا لها بشكل غير مباشر، أي من خلال المشاهد القاسية التي يرونها، والتي تخلق داخلهم مشاعر يصعب التعامل معها. غالبًا ما يُترجم الجسد الصّدمات النفسيّة على هيئة عوارض صحيّة وبدنيّة تتنوّع بين اضطرابات النوم والأكل أو رغبة الفرد بتجنّب أماكن معيّنة تذكّره بما رآه أو شعر به أو حتّى الانتباه المفرط على كلّ ما يجري حوله، ترقّبًا للخطر. كما تؤثّر هذه الاضطرابات على الأداء اليومي والحياة العمليّة”.

وبما أنّنا لا نستطيع أن ننقطع بشكل كامل عن الأخبار، سواءً الإقليميّة أو المحليّة، تؤكّد المستشارة والمدّربة النفسيّة أنّه من الضروريّ جدًّا أن “نعترف بمشاعرنا أوّلًا. هذا العامل الضروري والأساسي غائب عن مناهج تربيتنا، لأنّنا ترعرنا على فكرة أنّ “الخوف” مرادف للـ”جُبُن”، وكبرنا على مبدأ أنّ مشاعرنا لا تُسمع ولا تحظى بالاحترام اللّازم. من المهم جدًّا أن نتّقن “لغة المشاعر” وأن نعترف، ولو لأنفسنا فقط، أنّنا خائفون. غالبًا ما تكون معظم المشاعر “عابرة”، وهو أمر طبيعي، ولكنّ المشكلة تكمن عند بقائها لوقت طويل داخلنا، ويحدث ذلك عندما نكتمها. هذا الكتمان يجعلها تتراكم شيئًا فشيئًا حتّى تنفجر على هيئة اضطرابات جديّة نفسيّة أو جسديّة”، وتنصح “كلود” الجميع، عبر منصّتنا، أن “يستمعوا إلى مشاعرهم الحاليّة حتّى يسهّلوا رحلة عبورها، لأنّها غالبًا ما تأتي لتوصل لهم رسالة وتكمل طريقها، لا لتسكن داخلهم”.

ودعت “كلود لبّس” الأهل بالتحديد إلى “الاستماع إلى مخاوف الأطفال المتعلّقة بالحروب، بدلًا من طمأنتهم بشكل أعمى فور بوحهم بمشاعرهم، لأنّ ذلك قد يعني أنّهم نكروا مشاعر طفلهم بدلًا من محاولة فهمها. قد يخاف الأطفال في هذه الأوقات من خسارة من يحبّون، من أصوات المعارك، من تعرّضهم لضرر ما”، مؤكّدة أنّ الأطفال ليسوا وحدهم من يتعرّضون لأزمات نفسيّة في هذه الأوقات، إذ تطال مشاعر الخوف والقلق والعجز الكبار والصّغار على حدّ سواء، ولكن غالبًا ما يستطيع الكبار التعامل مع مشاعرهم بشكل أفضل، ولو بقليل، من الأطفال.

بينما تعصف الحروب التي تلقي أوزارها من حولنا، فلنركّز على ما بإمكاننا السّيطرة عليه، أي على مشاعرنا التي تتأثّر بما نراه ونسمعه، بدلًا من أن نركّز على ما هو خارج عن سيطرتنا. بينما لا نستطيع أن نغيّر مصير رجال ونساء وأطفال غزة، ولا أن نؤثّر على السّياسات الدمويّة المعتمدة أو على الإبادات الجماعيّة التي تحصل من حولنا، بإمكاننا أن نحاول قدر الإمكان أن نعلن تضامننا مع أهل الحقّ وأن نتبرّع لجمعيّات الإغاثة إن استطعنا، وأن نبتعد في الوقت نفسه عن المشاهد العنيفة والدمويّة، التي قد تتركنا عرضة لاضطرابات ما بعد الصّدمة، وأن نركّز على الأمور الإيجابيّة التي تدور حولنا، على الرغم من صعوبة ذلك. كما ينبغي علينا أن نتذكّر أنّ شعورنا بالذنب غير مبرّر، لأنّنا لسنا السّبب في ما يحدث، وأن نمتنّ لحياتنا التي خسرها كثيرون. من المهمّ أيضًا أن نجد وسائل للتغلّب على توتّرنا، كلّ على طريقته، وأن نطلب الدّعم النفسي مِن مَن حولنا ومن أخصّائيّين.

وسط همسات الأمل بغدٍ أفضل وضجيح الحروب الصّاخب، نجد أنفسنا أمام محاولة صمود نفسي شاقّة وطويلة. في زمن الصّراعات والنزاعات الدمويّة، يبقى هذا الصّمود بصمة حيّة على قوّة عزيمتنا في قلب الشّدائد.

لتصلكم نشرة نقِد الى بريدكم الالكتروني

Read Previous

Iran’s Crackdown on Women’s Rights: The Armita Garavand Case

Read Next

Deterrence: Iran’s return on its Hezbollah investment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *