naqd politics

تغيير السرديات وتحريفها… وسائل الإعلام والغرق بالطوفان

مع اندلاع “طوفان الأقصى” بين إسرائيل وحماس سلط الضوء على شبكات التواصل الاجتماعي، وسياستها في حذف ومنع المنشورات التي لا تناسب توجهاتها و عادت معضلة المحتويات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى الواجهة مع كم هائل من الصور والحسابات المزيفة .

إن عملية حذف المنشورات التي لا تتناسب مع سياسة إداراة المنصات تشكِّل تهديدًا كبيرًا لحرية النشر، من خلال خوارزميات قادرة على التأثير في صنع القرار، انطلاقًا من مبدأ حجب الحريات الذي تتبناه القوى الإعلامية، من خلال زعمها محاولة إصلاح مشاكل المعلومات الملفقة أو خطاب الكراهية.

اما الأسئلة الرئيسية التي تحيط بالموضوع فهو ان كانت شبكات التواصل الاجتماعي وسيلة اتصال مفتوحة لها التزام أخلاقي وقانوني لاستيعاب جميع الآراء والمواقف والمعتقدات أم تحاول تقديم صورة مزيفة للوقائع؟ وهل تسمح هذه المنصات فعلًا بالتدفق الحر للمعلومات أم تقيِّد بشكل مباشر أو غيرمباشر حرية الرأي والتعبير من أجل تحقيق مصالح القوى السياسية الحاكمة؟ و كيف أدى الانفتاح الشبكي إلى إظهار حجم الحجب الذي يتعرض له الناشطون مؤيدو القضية الفلسطينية؟ و هل تتخلى شبكات التواصل الاجتماعي عن جهودها الرامية إلى إبراز المعلومات الجيدة؟

أغلاق حسابات

ولاحظ مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي العرب أن أي محتوى يدعم فلسطين بوسوم (هاشتاغات) أو كلمات مفتاحية، مثل “طوفان الأقصى” و”الإبادة” و”غزة تحت القصف” و”قتل أطفال غزة” و”غزة تباد” وغيرها، يتم حظره أو تقييد وصوله أو حتى حذفه، وهو الأمر الذي أثار استياء واسعا لديهم.

في هذا الإطار، أغلقت حسابات بشكل نهائي وكصفحة “شبكة قدس”، التي كانت أكبر صفحة إخبارية فلسطينية على منصة فيسبوك، حيث كانت تضم 10 ملايين متابع، وقالت الشبكة إن الحذف تم بسبب رضوخ شركة ميتا للطلبات الإسرائيلية. وأكد العديد من المؤثرين والإعلاميين الذين يدعمون القضية، بأنهم تلقوا إشعارات تحذيرية من إدارة فيسبوك وإنستغرام وغيرها من التطبيقات الأخرى، بغلق حساباتهم إن لم يتوقفوا عن دعم فلسطين.

وفي المقلب الاخر نشر المغني الكندي جاستن بيبر صورة على منصة إنستغرام لدمار غزة مكتوب عليها “نصلي لإسرائيل”، الأمر الذي أثار عاصفة من الاستهجان ليسارع هذا الأخير إلى مسح المنشور. أما الممثلة الأميركية جيمي لي كيرتز، فأتت بدورها بمنشور أكثر فظاعة على حسابها عبر إنستغرام، إذ شاركت صورة لأطفال مروعين يترقبون سقوط صواريخ عليهم من السماء، أرفقتها بتعليق: “إرهاب من السماء” إلى جوار علم إسرائيل. وسرعان ما عادت كيرتز ومسحت هذه الصورة، بعدما نبّهها الناس إلى أن الجاني في الصورة هو دولة الاحتلال وأن الأطفال الذين يظهرون فيها هم أطفال غزة. وتلقت شركة ميتا “توبيخات” من الاتحاد الأوروبي لعدم معالجتها لما يقول الاتحاد إنها معلومات مضللة على منصاتها، مما دفعها للاستجابة بحذف نحو 795 ألف منشور باللغتين العربية والعبرية، وصفتها بأنها “مزعجة أو غير قانونية” فيما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي على غزة.ويواجه مشاهير عرب ما يسمى بـ”الشادو بان”، أي “المنع المظلل”، حيث لا يعرف صاحب المنشور أنه غير مرئي للآخرين على المنصة إلا بعد أن يلحظ قلة أو انعدام التفاعل، حيث لا يصله تنبيه بالأمر، مما دفع بعضهم لحيل مختلفة تستهدف تضليل الخوارزميات عبر نشر صور عشوائية.

بالرغم من أنه من المعتاد أن تثير الأحداث العالمية الكبرى سيلا من المعلومات المضللة، يقول باحثون إن حجم وسرعة انتشارها عبر الإنترنت في أعقاب الهجوم المباغت الذي شنته حركة حماس الفلسطينية على إسرائيل في نهاية الأسبوع لم يسبق له مثيل.

المعلومات المضللة

و تبين حسب تقارير صحافية وجود أكثر من 156,963 منشورٍ يروّج للمعلومات المضللة المرتبطة بما يحصل في غزة، مع 3.9 مليار وصول محتمل لهذه المنشورات مع 98,946 حسابًا مشاركًا في حملة التضليل. ومن قواعد الحرب الجديدة أيضا، أن استخدام مواقع التواصل الاجتماعى ليس مقصورا على مستوى الأفراد فحسب إنما امتد للدول، حيث قامت بعض الدول بإنشاء كتائب إلكترونية سواء كان ذلك بصورة نظامية رسمية أو غير رسمية، خلاف استخدام الزعماء أنفسهم ومسؤولي الدول صفحاتهم وحسابتهم الرقمية لنشر التصريحات والقرارات، وهذا ما نراه في إدارة حرب روسيا وأوكرانيا،

ويقول الخبراء إن هذا النزاع يلقي الضوء على تضاؤل قدرة المنصات البارزة مثل فيس بوك وإكس على مكافحة المعلومات الكاذبة في مناخ يُهيمن عليه تسريح الموظفين وخفض التكاليف.

وما يفاقم المشكلة خصوصا في منصة إكس المملوكة لإيلون ماسك، وجود عدد كبير من الإجراءات المثيرة للجدل مثل إعادة تفعيل حسابات تروج لمؤامرات زائفة ووضع برنامج لمشاركة عائدات الإعلانات مع صانعي المحتوى يقول خبراء إنه يحفّز البحث عن التفاعل بدلا من توخي الدقة.

و كشف تقرير جديد لوكالة إ. ف. ب، عن تزايد حجم المعلومات المضللة المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعية منذ هجوم حركة المقاومة حماس على المستوطنات الإسرائيلية في السابع من أكتوبر، ما أثار انتقاد مؤيدي الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على حد سواء. فمن ناحية، صنف داعمو القضية الفلسطينية هذا كتحيز من قبل منصات التواصل ضدهم، في حين رأى داعمو إسرائيل أن رقابة المنصات وحذف المنشورات غير كافٍ.

اختبار لقدرة المنصات

ويقول خبراء المعلومات المضللة لشبكة CNN، إن عمليات التسريح واسعة النطاق طالت موظفين في قطاع التكنولوجيا، بمن في ذلك فِرق الأخلاقيات والسلامة في بعض شركات التواصل الاجتماعي، كان لها دور كبير في ترك المنصات أقل استعداداً لحدث مثل صراع إسرائيل وغزة. ويخشى الخبراء أن تكون هذه الإجراءات زادت من خطر إحداث المعلومات المضللة أضرارا كمفاقمة الكراهية والعنف خصوصا في خضم سيناريو أزمة سريعة التطور مثل الذي يتكشف في إسرائيل وغزة.

نظراً لانتشار المحتوى المرتبط بحرب غزة باللغتين العربية والعبرية، كان ذلك بمثابة اختبار لقدرة المنصات على التعامل مع المحتوى غير الإنجليزي، إذ إنه عادة تتعامل الخوارزميات مع اللغة الإنجليزية، عن طريق البرمجيات والمعادلات الآلية التي تتعامل مع كلمات محددة في المحتوى.

وقالت ميتا، «سرعان ما أنشأنا مركزاً للعمليات الخاصة يعمل فيه خبراء، بمن فيهم أشخاص لغتهم الأصلية العبرية والعربية.. يسمح لنا ذلك بإزالة المحتوى الذي ينتهك معايير أو إرشادات مجتمعنا بشكل أسرع، والعمل بمثابة خط دفاع آخر في مكافحة المعلومات المضللة» وكانت مؤسسة “إمباكت الدولية لسياسات حقوق الإنسان” (مقرها في لندن)، قد اتهمت إسرائيل العام الماضي بـ”توظيف علاقاتها مع شركة فيسبوك لمحاربة المحتوى الفلسطيني في الفضاء الإلكتروني الأزرق”.

في الأسبوع الماضي، أزالت منصة “إكس” العناوين عن المقالات الإخبارية التي يشاركها المستخدمون، وصارت الروابط تظهر كصور فقط، وهي خطوة يقول الخبراء إنها قد تؤدي إلى تقليل عدد زوار المواقع الإخبارية. وتعرض إيلون ماسك نفسه لانتقادات حادة بعدما شجّع متابعيه على إكس البالغ عددهم نحو 160 مليونا على متابعة حسابين “جديدين” للحصول على أخبار حول الحرب، في حين أنهما معروفان بنشر معلومات مضللة. وحذف ماسك لاحقا ذلك المنشور، لكن بعدما حصد ملايين المشاهدات .

ارقام التفاعل

في إحصائية عالمية من 3 مصادر معتمدة بهذا الشأن هي “داتا ريبورتال” (data reportal)، ستيتس برو (status brew)، برودباند سيرش  (broadband search)، كانت النسب التالية للذين يقولون إنهم يستخدمون وسائل التواصل لاكتشاف المحتوى الإخباري والوصول إليه: فيسبوك 44% يوتيوب 29% واتساب 23% إنستغرام 15% تويتر 13% فيسبوك ماسنجر 12% تليغرام 6% تيك توك 4% لينكدإن 4% سناب شات 2%. تتمتع الإمارات والبحرين وقطر بأعلى مستويات التبني في العالم، وفقًا للنتائج التي نشرتها منصة داتا ريبورتال. وهذا يدل على أن وسائل التواصل الاجتماعي تنتشر بشكل كبير في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مع معدل تبني أعلى بكثير عبر العديد من المنصات مقارنة بالدول الأخرى. ووفق التقرير بلغ عدد مستخدمي مواقع التواصل في الشرق الأوسط 136.1 مليون شخص، أي نحو 53% من عدد سكان المنطقة. وتصدرت الإمارات المركز الأول بعدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي مقابل عدد السكان ليصل حوالي 10 ملايين مستخدم لتصل النسبة لـ 105.5٪. ويشير التقرير إلى أن 118 مليون شخص من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يدخلون إلى حساباتهم عبر الهاتف المحمول. أي بنسبة 46% من مجموع المستخدمين في الشرق الأوسط.

لتصلكم نشرة نقِد الى بريدكم الالكتروني

Read Previous

المعارضة الضائعة وبياناتها الاستنكارية… “سلاح الميليشيا اقوى”

Read Next

تصعيد عنيف في الجنوب… هل سقطت قواعد الاشتباك؟

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *