naqd politics

أوكرانيا 2023: “طوفان” يمحو حلم كييف

الرابع والعشرون من فبراير – شباط 2022، والسابع من أكتوبر – تشرين الأول 2023، تاريخان مفصليان شكلا مادتين دسمتين لوسائل الإعلام الشرقية والغربية، راح العالم يركز على تبعات كل من الحدثين، حيث أيّد البعض وعارضه الآخرون. دعم الغرب قطبه وتنوعت آراء الشرق، وشهدنا مجازر وكوارث في أرجاء متفرقة. اندلعت حروب وانتشر دخان القصف ليغمر مدن شرق أوروبا وفلسطين.

في التاريخ الأول، اندلعت حرب في أوكرانيا، تلك الدولة الواقعة شرقي أوروبا والتي لم تعرف يوماً معنى للهدوء. ظن البعض أن لعنة ما حلت بالقارة العجوز بعد اندلاع الحرب في تلك البقعة الجغرافية.

راح الغرب، المتمثل بدول الاتحاد الأوروبي، الذي يتخذ قراراته ويشكل مصيره في أروقة البيت الأبيض الأميركي، يهرع دعماً لنظام كييف ورئيسه فلاديمير زيلينسكي. في هذا السياق، وفي وقت يواجه فيه الكوكب أزمات أثرت بشكل كبير على الغرب قبل الشرق، كانت المواجهة القادمة هي مع دولة تتمتع بالاكتفاء الذاتي، واسمها كان وما يزال جمهورية روسيا الاتحادية.

أما في التاريخ الثاني، فقد جمّدت عقارب الساعة، إذ توقفت عن التحرك والدوران في صبيحة يوم السبت، الذي يوافق السابع من أكتوبر الماضي. ترك صحافيو الغرب العاصمة الأوكرانية كييف، وحملوا كاميراتهم إلى غزة ليصوروا ما يجري في القطاع من مجازر وكوارث، وجاءت “القسام” فقلبت المعادلة.

الملف الأوكراني في ثلاجة على حرارة أنفاق “غزة”

مع إطلاق كتائب القسام (الجناح العسكري لحركة “حماس”) عملية “طوفان الأقصى” في صبيحة السابع من أكتوبر – تشرين الأول الماضي، سلط الإعلام الغربي أضواءه وتركيزه على ملف الصراع العربي الإسرائيلي الشرق أوسطي، تاركًا الملف الأوكراني في ثلاجة على درجة حرارة توازي برودتها برودة أنفاق قطاع “غزة” المحاصر.

ففي وقت لا تغيب فيه القضايا الإنسانية الفلسطينية عن شاشات التلفزة، تغيب صورة المعركة في أوكرانيا عن الأنظار، فجاء كاتب المقال ليكشف تطورات ومستجدات حرب قيل إنها في آخر أيامها.

التخبط الأميركي والشرخ بين السلطات:

في الوقت الذي دخلت فيه الحرب في أوكرانيا شتاءها الثاني، فشلت كييف في “هجومها المضاد” الذي أطلقته في يونيو الماضي بغية استعادة أراضيها المحتلة – على حد وصفها -، على الرغم من الدعم المالي والعسكري الهائل الذي قدمته حلف “الناتو” وعدد من الدول الحليفة لواشنطن، على طبق من ذهب.

هذا الكلام جاء على لسان مسؤول سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، وهو ضابط أميركي عريق يُدعى لاري جونسون، والذي قال إن بلاده طورت استراتيجية خاسرة “للهجوم المضاد” الأوكراني، ومنحت دعمًا تدريبيًا غير كاف لنظام كييف.

أما البيت الأبيض، معقل الحكم الأميركي الذي يقر منذ عدة أشهر بأنه لم يتم إحراز تقدم في المفاوضات بين إدارة الرئيس جو بايدن وتكتل الجمهوريين في الكونغرس، للاتفاق على مساعدات جديدة لأوكرانيا، ما يشير إلى خلافات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

وفي خطوة جدية، حذر البيت الأبيض المشرعين الأميركيين من أن الأموال المخصصة لأوكرانيا ستنفد قبل نهاية هذا العام.

وما يستخلص من تلك الصورة أن إدارة بايدن (السلطة التنفيذية) تطلب مساعدات من الكونغرس (السلطة التشريعية) ولا تجاوب، ما يشير إلى تخبط أميركي يمنع الاتفاق على موقف محدد.

والجدير بالذكر أن الولايات المتحدة كانت الداعمة الأولى للحرب في أوكرانيا، لأن واشنطن، وبحسب آراء محللين أميركيين، تستفيد اقتصاديًا من تلك الحرب. فقد أفرغت مخزون أوروبا من السلاح، مما دفع بالقارة العجوز إلى طلب العتاد العسكري الأميركي، مما زاد من المبيعات العسكرية لدى إدارة بايدن.

وفي البنتاغون (مقر وزارة الدفاع الأميركية)، فإن الشرخ تجاوز عتبة ذلك المقر، إذ هدد وزير الدفاع لويد أوستن أعضاء الكونغرس الأميركي بإرسال أقاربهم وعائلاتهم للمشاركة في الصراع الجاري في أوكرانيا ضد روسيا، في حال لم يدعموا طلب إدارة بايدن بتقديم تمويل إضافي لكييف.

واعتبر كثيرون من الأميركيين أن هذا التهديد موجه إليهم، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات على كافة الأصعدة، في عمق مؤسساتها الحكومية أو خارجها.

القارة العجوز تلفظ أنفاسها الأخيرة

تعددت الخطط التي أُعدت للقارة الأوروبية، والمطبخ واحد (الاتحاد الأوروبي والناتو).

المجر، تلك الدولة الواقعة في وسط القارة العجوز والتي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2004، أقر رئيس وزرائها، فيكتور أوربان، بأنه لا ينبغي على بروكسل (عاصمة الاتحاد الأوروبي) القبول بانضمام كييف إلى الاتحاد، لأن لا أوكرانيا مستعدة لذلك ولا الأوروبيون أنفسهم، مشيرًا إلى أن أوكرانيا معروفة بأنها واحدة من أكثر الدول فسادًا في العالم، وسمعة أوروبا باتت على المحك بسبب الأزمات اللامحدودة.

أما “الناتو”، فقد شعر بالقلق، ما دفع بأمينه العام، ينس ستولتنبرغ، إلى التذكير بضرورة إنفاق دول الحلف على الدفاع بنسبة 2% من الناتج الإجمالي الخاص بها، والمتفق عليه وفق بمود القمم السابقة.

وأشار ستولتنبرغ إلى أنه في حال عانت إحدى دول الحلف من مشكلة ما تمنعها من الإنفاق، فيمكنه المساعدة، إذ لا يمكن إيقاف الدعم لأوكرانيا.

كلام ستولتنبرغ جاء إما بعد تأخر دول أوروبية عن الإنفاق بدافع المماطلة، أو فقط لاقتراب هذا العام من الانتهاء، إلا أن دولا أوروبية بدأت تتراجع عن موقفها المؤيد لأوكرانيا، وموقف المجر يمثل خير دليل.

تحذيرات أوكرانية من شتاء صعب

بدأت القيادات الأوكرانية تثمن نقص الإمدادات من طاقة وغذاء، إذ طلب رئيس الوزراء الأوكراني، دينيس شميغال، من سكان البلاد تقليل استهلاكهم للكهرباء بسبب النقص الملحوظ في قدرة نظام الطاقة.

وقد وصلت حدة الخوف لدرجة دعوة الأوكرانيين إلى عدم تشغيل الأجهزة الكهربائية القوية في نفس الوقت، وإطفاء الأضواء بالغرف غير المستخدمة ونقل الغسيل إلى ساعات الليل، مع توقعات بشتاء غاية في الصعوبة.

“طوفان” قلب كل المعادلات

الصراع في الشرق الأوسط حمل تداعيات خطيرة على الوضع الجاري في أوكرانيا. فقد نقلت الولايات المتحدة معظم الأسلحة التي كانت مخصصة لنظام كييف إلى إسرائيل، وخصصت لتل أبيب مبالغ إضافية من المساعدات. وسُلِمت واشنطن إسرائيل أسلحة كان من الممكن أن تفيد القوات الأوكرانية، مثل القذائف المدفعية والمدرعات والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي، مما علق أوكرانيا على شجرة متهالكة، آيلة للسقوط في أي لحظة بسبب الضغوطات المتزايدة.

والنقطة الأكثر أهمية هي أنه ليس تزويد البنتاغون القبة الحديدية الإسرائيلية بأنظمة دفاع جوية متطورة، بل رفض تقديم هكذا دعم لكييف في وقت سابق، والجدير بالذكر أن واشنطن وتل أبيب رفضتا طلب زيلينسكي حينها. وقد برر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا الرفض بخشيته من إعادة بيعها لإيران، ولم يُفهم تبريره حينها.

سؤال يُطرح: ما الذي يدفع بالولايات المتحدة إلى تقديم كل هذا الدعم لإسرائيل عوضًا عن نظام كييف؟ والجواب واضح، هو أن الولايات المتحدة تعتبر إسرائيل الولاية الحادية والخمسين، وتقود حربًا في أوكرانيا لا لحماية الأوكرانيين وأوروبا كما ادعت، بل لتستنزف قوة روسيا. واشنطن ترغب في إضعاف روسيا، وهذا نقل على لسان خبراء وضباط أميركيين، لا على لسان الكاتب.

وتواجه أوكرانيا اليوم صعوبات في تلقي المساعدات المالية، وقد استنزفت القدرات الأوروبية وأرهقتهم لدرجة أنهم يرغبون الآن في نسيانها، حسب تعبير قادة أوروبيين.

وكلما طالت الحرب في قطاع غزة، كلما زادت الانقسامات لدى الدول الغربية على رأسها الولايات المتحدة الأميركية، إذ بات الوضع صعباً جداً بعد انتقاد الجمهوريين مبادرة الرئيس بايدن بشأن موافقة الكونغرس على حزمة المساعدات إلى إسرائيل، وسط تساؤلات عما إذا تم نسيان الأزمة في أوكرانيا.

ومع دخول الحرب في غزة شهرها الثالث، يواصل فريق الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي تشديد التعبئة بهدف تعويض النقص في الذخيرة عن طريق زيادة القوى البشرية في الجيش. وسمحت وزارة التربية والتعليم الأوكرانية بتجنيد الطلاب خلال فترة إجازاتهم. ولم تتوقع أوكرانيا أن تظهر “حماس” من تحت الأرض، وتقلب كل المعادلات.

لتصلكم نشرة نقِد الى بريدكم الالكتروني

Read Previous

وفاة رئيس الطائفة اليهودية في لبنان: من هو اسحق أرازي؟

Read Next

وجوه وحدث سنة 2023

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *