naqd politics

كيف تم اختراق مطار بيروت؟

بعد تعرّض مطار رفيق الحريري الدولي، مطار لبنان الوحيد، لقرصنة الكترونية مجهولة المصدر مساء الأحد، بادر كلّ طرف، كالعادة، الى نسب العمل لمناهضه السياسي بدون أي تردّد حتى اشتعل الشارع الطائفي وكثرت أصابع الاتّهام داخلياً وخارجياً. أمّا الحقيقة، فهي لغزٌ حلّها الوحيد تحقيقات لا تحمل التأجيل ولا التأويل في أيّامٍ دقيقة تمرّ بها البلاد، أيّام تتسم بالانقسام الشعبي حول العمليات العسكرية التي يقوم بها “حزب الله” في الجنوب،  يفصل فيها قرار انتشار الحرب عن عدمه شعلة. لكن، لا داعي للهلع. فبتصريح مباشر طمأن وزير الأشغال العامّة علي حامية اللبنانيين بأنّ التحقيقات مستمرّة، والنتائج خلال أيّام. على أمل ألا يكون هذا الوعد تماماً كوعد الـ5 أيام لمعرفة سبب تفجير مرفأ بيروت.

توجّهت هذه القرصنة التي تعرّض اليها المطار مباشرة الى “حزب الله” وأمينه العام حسن نصرالله، محذّرة من جرّ لبنان الى الحرب مع اسرائيل واتّهمت الحزب بوضع يده على المطار، مطالبة بتحريره من قبضته، حيث بثّت رسائل واضحة على الشاشات مستخدمة شعار جماعة “جنود الربّ” تقول التالي:” مطار رفيق الحريري مش مطار حزب الله وإيران، يا حسن نصر الله، ما رح تلاقي نصير إذا بليت لبنان في حرب بدك تتحمّل مسؤولياتها وتبعاتها، يا حزب الله ما رح نحارب نيابة عن حدا، طيرتوا مرفأنا والآن بدكن تطيروا مطارنا بسبب إدخال السلاح، فليتحرّر المطار من قبضة الدويلة”.

فمن وراء الحادثة؟ اسئلة كثيرة وفرضيات أكثر.

بعد نفي “جنود الربّ”، في بيانٍ لها، أيّ علاقة بهذه العملية بات الفاعل مجهول. فهل فعلاً قرّرت هذه الجماعة المسيحية التي تصف نفسها بأنّها مجموعة دعوية غير مسلّحة، اخذ استراحة من تعنيف مجتمع الميم عين ومن حماية المصارف التي نهبت أموال الشعب لتصويب هدفها على “حزب الله” وايران؟ أم كانت هذه محاولة احداث فتنة في الشارع اللبناني بين جماعتين لا يجمعهما سوى العنف والتطرّف؟

أكان هدف الخرق تهويل اللبنانيين أم محاولة لضرب و”إضعاف” “حزب الله” في مكان يعتبره معارضيه واضعاً اليد عليه، بخاصة بعد الضربة المدوّية التي تعرّض لها في مربّعه الأمني عند اغتيال القيادي في حركة حماس، صالح العاروري؟ فهل هذه رسالة واضحة بأنّ المطار أصبح مكشوف لاسرائيل وأنّ “حزب الله” لا يستطيع حمايته بعد الآن؟

أم ربما كان لاثارة البلبلة والهلع وطلاء الحقيقة بفتنة تشغل اللبنانيين عما حدث فعلاً، كالعادة، بالصراعات الطائفية اللامتناهية؟ فمن المستفيد من احداث الهلع وما الذي حدث فعلاً عند توقف جرارات الحقائب عن العمل مما استلزم التفتيش اليديوي؟ فهل من الممكن أن يكون المطار المدني الوحيد في لبنان قد استخدم لعملية تهريب؟ وما من الممكن أن يكون قد أدخل أو أخرج من لبنان؟ فرضيات ما بعد فرضيات.

بحديث خاص مع خبير في الأمن السيبراني، علمت منصة نقِد بأنّ الشاشات التي بثت عليها الرسالة غير موصولة بالانترنت مما يستبعد فرضية الهجوم السيبراني ويركّز على فرضية الهجوم الداخلي، بخاصة أنّ تعطل جرارات الحقائب الاكترونية لم يكن يمكن اتمامه سوى داخلياً. بالمقابل، لم يستبعد وزير الداخلية بسام المولوي الهجوم السيبراني ورجح على الأغلب الهجوم الخارجي.  فمن قام بالهجوم؟ ولماذا؟

وتساءل خبير الأمن السيبراني، “هل في المطار خطوات حقيقية وفعّالة وبشكل متواصل تعني في حماية أمن المطار من أي خرق سيبراني؟ هل الموظفون متدربون على هكذا خرقات؟ هل سلامة الأبراج المراقبة محصنة من الناحية السيبرانية؟”، كل هذه الأسئلة بعهدة المعنيين.

عادت الشاشات الى العمل بشكل طبيعي بعد إصلاح جميع الأعطال التي نتجت عن هذا الخرق وأكّد وزير الداخلية من مطار رفيق الحريري بأنّ الأجهزة الأمنية تعتمد خطّة بديلة لتفتيش الحقائب، قائلا “ليس هناك حقيبة تدخل الى طيارة بدون تفتيش” مشيداً بخطّة الإستجابة السريعة للعناصر المختصة.

كما وشدّد على جدّية التحقيقات المستمرّة بالحادثة من قبل المعنيين وبمساعدة خبراء متخصصين. لكن هل من ثقة بعد اليوم؟ انّ الخرق جدّي وكبير يتلاعب بعقول ومصير كلّ فرد يتواجد على الأراضي اللبنانية وفي الخارج. لذلك، انّ مسألة كشف الفاعل وملابثات الحادثة ضرورة. فما هو نطاق المخترق؟ وما الذي يمنع من اخترق شاشات وأنظمة الحقائب اليوم من اختراق كامل للمطار يشمل موقعه وبيانات مسافريه وبخاصة بعد أن أكد الوزير بأنّه جرى من خلال فيروس اخترق الأجهزة الالكترونية والبرمجيات؟ ما الذي يوقف مخترقه من التلاعب بجداول السفر وبث الرعب في قلوب المسافرين؟ الشفافية اليوم حاجة ملحّة وليست خيار.

خرق داخلي أم خارجي؟ غير معروف بعد. لكن المتأثر خارجي وداخلي. فمطار لبنان المدني الوحيد اليوم بات مكشوفاً بأجهزته الأمنية. طريقة الدخول والخروج الجويّة الآمنة من لبنان اليوم أصبحت محطّ تساؤلات الجميع. فما الذي ينقذنا اليوم من هذه الصورة؟

على كلّ حال، اطمئنوا يا لبنانيين، فكلّ الأجهزة المعنية تعمل من أجل معرفة حقيقة ما حصل والحؤول دون تكراره. فالتحقيقات مستمرّة مع موظفين واداريين داخل المطار، وخلال أيام سيعرف متسبب الهجوم على السيادة اللبنانية. لا يفصلنا عن الحقيقة سوى أيام. أيام قليلة بحسب وزير الأشغال وأيام غير محددة المدّة بحسب وزير الداخلية، ويا للخوف بأن تكون الأيام القليلة وغير المحددة المهلة للتحقيق بخرق المطار أشبه بخمسة أيام تحقيق انفجار مرفأ بيروت.

خرق داخلي أم خارجي؟ الفرضيات تعوم البلاد التي لا تحتمل أخبار غير دقيقة. وما للبنانيين سوى فرضيات ترافقهم يوم بعد يوم في بلد تدفن فيه الحقائق وتستمرّ فيه التحقيقات الى ما لا نهاية. فكم من مرّةٍ ومرّة ردّدت عبارة “التحقيقات مستمرّة” على مسامع اللبنانيين وكم من مرّة ومرّة لم يكن هذا “التحقيق” سوى حلقة مفرغة من الوعود الكاذبة بالأمل القريب. التحقيقات لا زالت مستمرّة، والنتائج، طبعاً، خلال أيام.

كلّ ما علينا فعله اليوم هو الانتظار. فبين خمسة أيام عدالة المرفأ وأيام عدالة المطار لا تفصلنا سوى ايام. فلننتظر. لننتظر الحقائق، لننتظر كشف المعتدين على السيادة اللبنانية. لعدالة المرفأ وعدالة المطار أيام، لعلّها هذه المرّة لا تجري الأيام وتتحول الى سنوات لا تنتهي. لعلّها هذه المرّة ننتقل الى لبنان موازي فيه يحاسب الفاعلون ويساءل المرتكبون، بلدٌ لمرّة، يكشف فيه مخترقي العدالة والسيادة.

لتصلكم نشرة نقِد الى بريدكم الالكتروني

Read Previous

هل تنقل اسرائيل الحرب من غزة الى الشمال؟

Read Next

Lebanon: Do we really pay taxes?

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *