naqd politics

الصحافيّون “أهداف مشروعة”.. تحيّة لمن يبقى وألف سلام لمن يرحل!

على خطّ النار وفي قلب الخطر، ينقل أبطال الصحافة في غزة أقسى الصور والمشاهد إلى أقطاب العالم كافّة. لقد نجحوا أخيرًا في تغيير سرديّة الإعلام الغربي، ربّما للمرّة الأولى على الإطلاق، حتّى أصبحت الأجيال جميعها تعرف: غزة تُباد!

تحت قصف عشوائي وفي ظلّ إبادة جماعيّة لم يشهد العالم لها مثيلًا منذ زمن طويل، يتنقّل الصحافيّون في غزة، بإمكانات محدودة تحت وطأة انقطاع شبه تام للكهرباء والاتّصالات والإنترنت في القطاع، سعيًا منهم إلى فضح كيان مُحتلّ غاصب يقتل الأطفال والنساء والرجال الأبرياء، بذريعة مكافحة الإرهاب.

قد يظنّ المرء أنّ للصحافيّ حصانة، أنّ مهنته لن تحوّله يومًا إلى هدف اغتيال مشروع. لكن أمام الاحتلال الإسرائيلي، تسقط كلّ المعايير الدوليّة، وتسقط معها الأخلاقيّة أيضًا، إذ يستهدف العدو الصحافيّين بشكل متعمّد وقد قتل حتّى اللّحظة، أكثر من 115 صحافيًّا في القطاع وحده، ناهيك عن شهداء الصحافة الذين قُتِلوا على الحدود الجنوبيّة اللّبنانيّة.

أصبحت اليوم سترة الصحافة وخوذتها علامة حمراء تُحلّل دم من يستخدمها في وجه العدو. وإن لم تقتل إسرائيل الصحافيّ نفسه، ترتكب أفظع المجازر بمن يُحب، تمامًا كما فعلت مع مراسل الجزيرة وائل الدحدوح.

لم تقتل إسرائيل بالمعنى الحرفي وائل الدحدوح- حتّى اللّحظة- ولكنّها قتلته 100 مرّة وهو على قيد الحياة. في 25 أكتوبر، وبينما كان الدحدوح ينقل خبرًا مباشرًا على الهواء، اغتالت إسرائيل زوجته وولديه وحفيده الرضيع بقصف على مخيّم النصيرات، فعاد وأكمل عمله الصحافيّ وأصبح رمزًا للصمود. لكن عدوًّا بهذا الإجرام، لا يكتفي بحرمان الأب من فلذات أكباده، فتعطّشه للدماء لا يتوقّف عند هذا الحد، إذ قام باستهداف وائل وزميله المصوّر سامر أو دقة، أثناء تغطيتهم القصف على مدرسة فرحانة في خانيونس في 15 ديسمبر، فجُرح الدحدوح وأُصيب زميله إصابة خطِرة. منع بعدها الاحتلال سيّارات الإسعاف من الوصول إليه، ففارق الحياة بعد ساعات من الإصابة. فكان من وائل الدحدوح أن أكمل تغطيته بعد الحادث الأليم، بغصّة وحرقة.

في الـ7 من يناير/ كانون الأول 2024، وجّه العدو الضربة القاضية للدحدوح، بعد أن قتل ابنه حمزة وزميله مصطفى ثريا باستهداف سيّارتهما في رفح. وقد انتشرت حينها مقاطع فيديو لوائل وهو يودّع نجله، ليبقى له فتاة واحدة فقط على قيد الحياة، طلبت منه أمام عدسات الكاميرات “أمانة ضل إلنا يا بابا.. ملناش حدا غيرك..”. وائل الدحدوح لم يتوقّف عن عمله الصحافي، ضمّد جراحه، نعى ولده، وأكمل عمله!

بعد رحلة شاقّة وطويلة، تكلّلت بالصبر والصمود، توجّه وائل الدحدوح أخيرًا إلى قطر لتلقّي العلاج.

تحيّة لوائل، للقوّة والعزيمة التي تسلّح بها في وجه كيان مُجرم استباح دماء عائلته وأحبّائه، ولكن.. لا لوم على من يرحل! لا لوم على من يفقد الأمل من إنسانيّة الأمّة، فيحزم أمتعته ويرحل، يترك عمله الصحافي ويعتزل محاولاته إيصال أصوات الموت في غزة لعالم لا يكترث!

الصحافي أنس النجار واحدٌ من بين كُثُر عملوا جاهدين لنقل الحقيقة في القطاع، ودفعوا تعب أيّام كثيرة من أجل القضيّة، من أجل الحقيقة، فقرّروا في نهاية المطاف الاعتزال والتوقّف تمامًا عن العمل الصحافي. وقد كتب أنس في منشور له:

“هنا تنتهي تغطيتي الصحافيّة، فالبحث عن الأمان مع العائلة لهو خير ألف مرّة من البحث عن خبر يُنقل لعالم لا يعرف معنى الإحساس ولا الإنسانيّة. رحم الله الزملاء الصحافيّين، وأعلن إيقاف عملي الصحافي في هذه الحرب الهوجاء. والله لم يكن سهلًا اتّخاذ قرار خلع هذه السّترة، فهي الحلم الذي سعيت للوصول له منذ نعومة أظافري، لكنّ صمت العالم أتعبنا”.

وحشيّة العدو وصمت العالم أخسراه حلمه، ولكنّ حلمه كان سيُخسره حياته. هكذا أصبح الواقع في غزة. أصبحت سُترة الصحافة تُعرّض صاحبها للخطر، بعد أن كانت خطًّا أحمر يحميه القانون الدولي. فأين هذا القانون من ما يحدث في غزة؟

أمّا معتز عزايزة، الذي صمد لأكثر من 100 يوم أمام وحشيّة العدو، فقد قرّر أيضًا مغادرة القطاع. وقد نشر معتز على صفحته على “إنستغرام” مقطع فيديو أعلن خلاله إنهاء مهمّته في غزة:

“هذه المرّة الأخيرة التي سترونني فيها مُرتديًا هذا الزيّ الصحافي الثقيل والذي باتت تصدر منه رائحة سيّئة بسبب ارتدائي له طوال الفترة الماضية، سأعود مرّة أخرى للمساعدة في إعادة بناء القطاع، ادعوا لغزة!”

وقد لاقى هذا الإعلان ردود أفعال متباينة، إذ شنّ البعض حملات تخوين على معتز، بينما أكّد البعض الآخر أنّه قد بذل بالفعل مجهودًا كبيرًا منذ بداية الحرب وبالتالي هو يستحقّ أن ينعم بالراحة الآن.

هل بإمكاننا فعلًا أن نلوم أنس ومعتز وغيرهما على قرارهم؟ من نحن لنلومهم على رغبتهم في الحفاظ على حياتهم وحياة من يُحبّون؟ أنس على حقّ، فهذا العالم لا يعرف معنى الإنسانيّة أصلًا، فهل هو يستحقّ العناء الذي يتكبّده؟ لقد أغلق العالم أعينه وصمّ آذانه، هو لا يريد أن يرى المجازر التي تُرتكب أمام العلن، ففي هذه الحرب استُبيحت كلّ المحرّمات!

وائل وأنس ومعتز ليسوا الوحيدين، فمثلهم العشرات، منهم من أثقل كتفيه بجبل من الصمود في وجه الألم ومنهم من اختار حياته.

لم يكذب من قال إنّ الصحافة مهنة المتاعب.. تحيّة لمن يبقى وألف سلام لمن يرحل!

لتصلكم نشرة نقِد الى بريدكم الالكتروني

Read Previous

الذكاء الإصطناعي في خدمة الإنتخابات الرئاسية الأميركية

Read Next

عن قصّة كاهن متحرّش نكشف

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *