naqd politics

حزب الله يحلّ مكان الحرس الثوري: تعميق الانتماء لإيران

عام 1982، ظهَرَ حزب الله إلى العلن لأوّل مرّة كحركة عقائديّة تعمل على مقاومة الإحتلال الإسرائيليّ، وكان عديده لا يتجاوز بضع المئات من الشّباب الشيعة اللّذين جنّدتهم الجمهوريّة الإسلاميّة وعملت على دعمهم بالمال والسّلاح والتدريب حتّى أصبح الحزب في العام 2024 اللّاعب الأقوى على السّاحة اللّبنانيّة، بالإضافة إلى تمدّد نفوذه خارج الحدود إلى سوريا و العراق واليمن والبحرين حيث أعطته إيران ثقتها القصوى ليكون وكيلًا لها في عدد كبير من مواقع نفوذها.

لا يبدو أنّ هذا الدّور يتراجع اليوم، بل على العكس، فبعد الضّربات الإسرائيليّة الأخيرة الموجِعة في سوريا لقياديّين إيرانيّين وغيرهم من حلفاء إيران، أعلنت وكالة رويترز ووكالات أنباء عالميّة عن سحب إيران كبار ضباط الحرس الثوري الإيراني وعشرات الضباط متوسطي الرتبة من سوريا، ولم تقم طهران رسميًّا بتكذيب هذه الأخبار في حين قال المتحدّثين بإسم محور الممانعة أنّ لا أبعاد إستراتيجيّة بل بعض التغيّرات التكتيكيّة لإبعاد هؤلاء عن دائرة الخطر في ظلّ الأوضاع الدّقيقة في المنطقة.

تختلف الإستنتاجات والتحليلات حول هذه الخطوة الإيرانيّة، إلّا أنّ هدف إيران منها على الأرجح هو تجنّب الدخول في صراع أوسع مع إسرائيل والولايات المتحدة وعدم الدّخول في حلقة الردّ على الإعتداءات في ظلّ التوتّرات الحاصلة في المنطقة، كما أنّ الضّرباتالإسرائيليّة تؤكّد أنّ الخرق الأمني عميق وكبير وحصدتْ قيادات إيرانيّة رفيعة المستوى، ما أدّى إلى إختيار إدارة العمليات في سوريا من خلال الميليشيات التابعة لإيران ومن بينهم حزب الله.

من هنا يأتي السّؤال: ما مدى توسّع دور الحزب إقليميًّا؟ هذا الدّور الّذي أخذ منذ دخوله حرب سوريا إلى التوسّع على كافّة المستويات، من القتال الميدانيّ إلى الإستشارة العسكريّة وإدارة العمليّات وتدريب المقاتلين والمساعدة على تطوير الأسلحة وخاصّة الصواريخ والمسيّرات، ليس في سوريا فحسب، بل حتّى العراق واليمن والبحرين.

علينا أوّلًا تحديد من هو حزب الله بالنّسبة إلى طهران، لأنّه وكما تبيّن خلال أحداث العقدَين الأخيرَين، ليس بورقة تمسكها إيران وتهوّل بها وقد تسحبها بسهولة أو تناور من خلالها، بل هو أكثر من ذلك.يبدو أنّ الحزب ذراع إيرانيّة أساسيّة يرقى إلى لعب أدوارًا كأنّه إيران بحدّ ذاتها في العديد من المواقع الإقليميّة الّتي تجد إيران فيها إمكانيّة لتوسيع نفوذها. فبعد إندلاع الحرب في سوريا في العام 2011، أعلن الحزب بعد سنة واحدة الدّخول في الحرب بشكلٍ مباشر وأرسل آلاف المقاتلين تحت إدّعاءات مختلفة، وقد كلّفته هذه الحرب كثيرًا إلّا أنّها سلّمت إيران مواقع نفوذ في الأراضي السّوريّة ما زالت قائمة حتّى اليوم وخاصّةً في دمشق وحلب وجنوبي دير الزّور.

أمّا في العراق، لعب حزب الله اللّبنانيّ دورًا أساسيًّا في تأسيس وتدريب كتائب حزب الله العراقيّة، وهي ميليشيا على غرار الحزب، شيعيّة عقائديّة تابعة للجمهوريّة الإسلاميّة وكان قاسم سليماني قد أشرف على تأسيسها في العام 2007 وإلى جانبه المسؤول في حزب الله عماد مغنيه. تطوّرت هذه الكتائب حتى أصبحت إحدى أقوى ميليشيات الحشد الشعبي، ومن الواضح أنّه تمّ تأسيسها لتلعب الدّور الّذي يقوم به حزب الله اللّبنانيّ اليوم كعسكرة المجتمع الشّيعيّ وتوسيع النفوذ في العراق والدّفع بإتّجاه التّغيير الدّيموغرافي فيه وصناعة الصواريخ وتشكيل رأي عام يخدم مصالحها ثمّ القتال لصالح إيران على الجبهات المشتعلة في المنطقة.

في البحرين، برزت سرايا الأشهر خلال المظاهرات في العام 2011، وهي ميليشيا شيعيّة تلقّت دعمًا كبيرًا من إيران وتمّ تدريب عناصرها على يد الحرس الثوريّ في إيران وحزب الله في العراق ولبنان. كما كان حزب الله يعمل عبر بياناته وخلال إطلالات أمينه العام على مهاجمة السّلطات البحرينيّة الّتي قامت مرّات عدّة بسحب جنسيّات من مواطنين شيعة “لتحريضهم على تقسيم المجتمع و تعاملهم مع جهات خارجيّة” على حدّ قولها.

مثل سوريا والعراق والبحرين، تحتلّ اليمن مرتبة هامّة في سلّم أولويّات حزب الله وإيران، حيث يقوم حزب اللّه بنشر خبراء وقياديّين يعملون على رسم الإستراتيجيّات في اليمن وتدريب الحوثيّين وتطوير ترسانة الصّواريخ والمسيّرات لديهم. وقد كان لهذا الدّعم أثر في عمليّة عاصفة الحزم وإحتلال العاصمة صنعاء وصعود نفوذ الحوثيّين في اليمن وتهديدهم للتجارة العالميّة اليوم.

لهذه البلدان أولويّة قصوى بالنسبة لحزب الله، ويظهر ذلك بوضوح من خلال تطرّق أمين عام الحزب السيّد نصرالله إلى الأحداث في تلك البلاد وكأنّه الرّاعي الرّسمي لها، يرسمُ لها الخطط والتوّجهات والإرشادات من الضاحية الجنوبيّة الّتي باتت تلعب اليوم دورًا أكبر من حجمها بكثير. فالتّوتّر الحاصل في الجنوب منذ عمليّة طوفان الأقصى رفع خطورة إندلاع حرب إقليميّة ما زالت حتّى اللّحظة غير مرغوبة بالنّسبة للإيرانيّين والأميركيّين، كما أنّه سيحمي مواقع النفوذ الإيرانيّة في سوريا بعد التطوّرات الأخيرة وسحب قيادات الحرس الثّوري.

أصبح حزب الله اليوم قوّة لا يستهان بها لكن ليس واضحًا بعد مدى قدرته على المحافظة على هذا النّفوذ، لذلك فهو إمّا يعمل على رفع ثمن تخلّيه عن هذا الدّور عبر دعمه الجبهات الإقليميّة المفتوحة اليوم وتبرير مشروعيّتها عند الرّأي العام وربطها علنًا بحرب غزّة. أم أنّه يحمي مواقعه وينتظر أن تهدأ العاصفة الّتي تمرّ بها المنطقة ليحاول تثبيت نفوذه.

لتصلكم نشرة نقِد الى بريدكم الالكتروني

Read Previous

العدل للبنان… قبل لقمان

Read Next

لماذا رئيس من خارج دُمى الممانعة؟

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *